آراء

من الكرملين إلى واشنطن…رحلة الوجود الكوردي بين الأب والابن

شفان إبراهيم
 
 
[email protected]
شهد صيف 1947 الرحلة الأغرب في تاريخ القرن الماضي, كما ذكرت إذاعة لندن يومها:
” في 17/6/1947 حيث وقعت مصادمة عظيمة بين قوات إيران النظامية والكورد بالقرب من الحدود الروسية وتمكن القائد الكوردي الملا مصطفى البارزاني مع أتباعه البالغ عددهم أكثر من (500) مقاتل من العبور إلى الحدود الروسية حين قطع البارزاني الأب نهر اراس متجهين صوب الاتحاد السوفيتي وتحديدا إلى أذربيجان وأوزبكستان السوفيتيتين, واستدل الستار على القضية الكوردية حتى موت ستالين و توجه البارزاني الأب صوب الكرملين مباشرة بشجاعته وجرأته المعروفة في وسط مدينة موسكو. وتوجه مباشرة إلى مكتب الاستعلامات في الكرملين وكشف عن هويته قائلاً:
‘‘أنا ملا مصطفى البارزاني جئت لأعرض قضية شعب مظلوم على شعب لينين وحزبه‘
في تلك الفترة ونظراً للظروف الدولية وعدم استعداد أية دولة للتخلي عن مصالحها في الشرق الأوسط دفاعا عن القضية الكوردية, وبعد وصول البارزاني وصحبه إلى السوفييت, وحجزهم ومنعهم من كل شيء, وبعد استلام خروتشوف للحكم منح الكورد بعض الحقوق الثقافية والتعليمية واللغوية وحرية التنقل والعمل والحركة, استمر النضال الكوردي زهاء قرن كامل حتى وصلت القضية الكوردية اليوم إلى أعلى مستويات الدعم الدبلوماسي لها متجسدة بالدعوة الرسمية من البيت الأبيض للبارزاني الابن

بين الأمس واليوم مفارقات وعبر

استغرقت رحلة البارزاني الأب حوالي شهرين, لكن رحلة البارزاني الابن إلى موسكو قبل فترة لم تستغرق سوى ساعتين, وبعد أن تخلت عن أول جمهورية كوردية لتقاتل وحدها إمبراطورية طاغية، ثم سحقت كوردستانها الحمراء في الاتحاد السوفياتي، وحاولت صهر وإذابة الزعيم البارزاني ورفاقه في بوتقة شيوعية ستالين التي فشلت في استمالته عقائديا ونجحت في إبعاده ما يقرب من ست سنوات من الوصول إلى عاصمة الثلوج موسكو. اليوم و بعد أكثر من نصف قرن على وصول الزعيم الكوردي إل هناك, ها هي روسيا تكابد جاهدة للوصول إلى
بوابة كوردستان الاقتصادية بما فيها من أنواع الطاقة في الكهرباء والغاز والبترول، وشعب معفر بالوفاء وتواق للتقدم والبناء والسلام
في السياق ذاته, فإن واشنطن هي الأخرى كانت مدينة للكورد بالكثير, ففي الأمس لم تنصف البارزاني الأب وحركته التحررية الوطنية, ولم تُجهد نفسها عناء تطبيق شعاراتها ومبادئها عن الحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها, بل أنها تنكرت حتى لشعارات ثورتها 1776 والذي شكل مذهب الحقوق الطبيعية اساس ثورتها
اليوم وبعد أن ساندت كوردستان أمريكا في حربها ضد النظام العراقي بالأمس, ووقف الكورد ضد اخطر تنظيم بالنيابة عن العالم كله, يتوجه البارزاني الابن إلى واشنطن بدعوة رسمية من البيت الأبيض, وفي جعبته هذه المرة الكثير, وما لا يقل عن إعلان الدولة الكوردية.

التاريخ يعيد نفسه

وقف البارزاني الأب مراراً مع القوة التحررية العربية, ووقف إلى جانب الثورات العربية في جميع حروبه, والتاريخ شهداً على مواقف البارزاني مع القوى العربية ومواقف الأخيرة تجاه الحقوق الكوردية, فيقول البارزاني الأب “أثبتنا للعالم أننا كنا نقف مع حق الأخوة العرب في محنتهم عدة مرات. ففي حرب الأيام الستة في حزيران 1967 بعثنا ببرقية إلى الرئيس العراقي الأسبق عبد الرحمن عارف معلنين فيها عن مساندة الكورد للعرب في حقوقهم، وطالبْنا بانسحاب القطعات العراقية من كردستان للدفاع عن الأراضي العراقية والحقوق العربية الفلسطينية، وعاهدناهم بان لا تطلق القوات الكردية النار عليهم طيلة بقائهم في المواجهة مع أعدائهم. وأيدنا العرب أيضاً أثناء دخولهم الحرب مع إسرائيل عام1973. وأرسلنا ببرقية إلى الرئيس العراقي احمد حسن البكر معلنين فيها عن وقف إطلاق النار في كردستان، ووقفْ كافة العمليات الحربية ضد قوات النظام العراقي لكي تتمكن تلك القوات من التفرغ لحماية فلسطين، كما أرسلنا ببرقية مماثلة نفس اليوم للرئيس المصري أنور السادات.لكن تعامل نائب الرئيس العراقي صدام حسين كان عدوانيا معنا، حيث خان الاتفاقية التي اتفقنا عليها في 11 آذار عام 1970، وتآمر على قتلي عدة مرات. لقد كان بإمكان الكورد أن يعاقبوه أثناء زيارته لكردستان
بإسقاط طائرة الهليكوبتر التي كانت تقله، لكنهم لم يفعلوا، لأن الأخلاق الكردية لا تقبل الخيانة”.
وفي المقابل ومنذ دخول الأمريكان إلى العراق والبارزاني الابن يحاول جاهداً حماية العراق من الانهيار, وقدم مبادرات وحلول كثيرة لإنقاذ العملية السياسية, والدفع بالقوة العراقية نحو تطبيق الدستور, وفي كل مرة كانت القوة السياسية العراقية المختلفة تتفق على معادة الكورد, سواء من جهة خرق الدستور, أو قطع الأرزاق عن كوردستان, أو محاولة جر الإقليم إلى صراع عرقي طائفي قومي, كان الرئيس مسعود البارزاني يخلق الظروف السياسية المُقربة بين القوة المتصارعة, يجاهد في سبيل خلق مناخات الثقة المتبادلة, وفي كل المرات, حاله كحال والده, يصطدم بجدار التعنت العنصري, ويكشف عشرات المؤامرات على الإقليم ومكتسبات ووجود الشعب الكوردي.

الأب أوقف قلوب الكورد بموته, والابن يُحيي الحلم الكوردي من جديد

توقف قلب البارزاني في 1979م، في مستشفى جورج واشنطن إثر مرض عضال, وترك فراغ من الصعب سده بسهولة. ويترقب اليوم عموم الشعب الكوردي, وأغلب الحكومات والشعوب المهتمة بالشرق الأوسط, نتائج تلبية الرئيس البارزاني دعوة البيت الأبيض الرسمية لرئيس إقليم كوردستان العراق, خاصة وأن البارزاني الابن يحمل ملفات عديدة على رأسها مشروع الدولة الكوردية, خاصة وبعد قيادة الرئيس البارزاني للحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية, نيابة عن العالم كله.
وإذا علمنا أن أغلب مراكز البحوث والدراسات الإستراتيجية كانت توصي دوما بضرورة اعتماد الكورد في سوريا على أشقائهم الكورد في كوردستان العراق, والاستفادة من تجربتهم, ومقاربتها بوعود البارزاني للكورد في كوردستان سوريا بدعمهم دولياً وكوردستانياً, والوقوف إلى جانب القضية الكوردية في كوردستان سوريا في جميع المحافل الدولية, فإن المهمة المصيرية الملقاة على عاتق البارزاني ليست بالسهلة لا من حيث جهة الإعلان ولا من حيث جهة الاستمرار, خاصة في ظل ما تشهده ساحة كوردستان سوريا من تجاذبات سياسية كوردية –كوردية, وتحكم النظام السوري بأغلب مفاصل الحياة فيها, وانعكاسها على كوردستان العراق, في ظل ما تشهده هذه الأخيرة من صراع خفي بين محور ينشد إعلان الدولة الكوردية, وبين من يناهض هذا الإعلان بحجج واهية, حقيقتها الجوهرية النفوذ الإيراني من جهة, ومن جهة أخرى خشيتها على وجودها التنظيمي والسياسي في الدولة الكوردية المرتقبة فيما إذا أعُلنت على يد الرئيس البارزاني. فهل سيُحيي البارزاني الابن حلم الملايين, أم أن المأساة الكوردية ستتكرر مرة ثانية من واشنطن وإن بصورة أخرى…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى