آراء

من المذكرات إلى العقود: الفجوة بين الخطاب الإعلامي والواقع المعيشي في سوريا

المحامي: أكرم شمو

في الأشهر الأخيرة، تكرّرت مشاهد توقيع الحكومة السورية المؤقتة لعدد من مذكرات التفاهم مع أطراف ودول مختلفة، في مجالات متعددة تمتدّ من الاقتصاد إلى التعليم والصحة والطاقة. وقد حرص الإعلام الرسمي على تسليط الضوء على هذه الخطوات وإظهارها وكأنها إنجازات استراتيجية تحمل وعوداً بمستقبل أفضل. غير أنّ ما يراه المواطن على أرض الواقع يختلف تماماً عن الصورة التي تُرسم في وسائل الإعلام، حيث تبقى هذه المذكرات في حدود الورق والتصريحات، دون أن تترجم إلى عقود عملية أو مشاريع ملموسة تغيّر شيئاً من ظروف حياته اليومية.

الفرق بين مذكرة التفاهم والعقد جوهري؛ فالمذكرة غالباً ما تكون إطاراً عاماً للتعاون، غير ملزمة قانونياً، وتُستخدم كبداية لفتح قنوات اتصال أو تمهيد لتفاهمات لاحقة. أما العقد فهو التزام قانوني محدد البنود، مدعوم بتمويل وآليات تنفيذ وجدول زمني واضح. وهنا تكمن الفجوة التي يعايشها المواطن السوري، إذ لا يكفي التوقيع على أوراق أولية ما لم تُتبَع بخطوات جادة تؤدّي إلى مشاريع قائمة بالفعل.

الحكومة المؤقتة، من جهتها، تبدو وكأنها تستثمر في هذا النوع من الأخبار لتصوير نفسها كأنها في قلب الحركة السياسية والدبلوماسية، محاولةً عبر الإعلام الرسمي تضخيم هذه المذكرات باعتبارها مكاسب استراتيجية. وهي بذلك تسعى لتغطية جملة من الأزمات الداخلية المتراكمة، بدءاً من الفشل في معالجة التحديات الاقتصادية والمعيشية، وصولاً إلى الأحداث المؤلمة التي شهدتها مناطق مختلفة، من الساحل السوري سابقاً إلى محافظة السويداء مؤخراً. هذه الأحداث كشفت هشاشة الوضع الداخلي وصعوبة الاستمرار في سياسة الهروب إلى الأمام عبر الاكتفاء بالإعلان عن مذكرات لا تُسمن ولا تُغني من جوع.

المواطن السوري الذي يسمع يومياً عن توقيع مذكرات التفاهم لم يعد يُقيِّم وزناً لهذه الإعلانات. فقد اعتاد سماع الوعود دون أن يلمس نتائجها في حياته اليومية. ما يهمّه بالدرجة الأولى هو الكهرباء التي تكاد تكون غائبة، والخبز الذي يتعثّر وصوله، والدواء الذي ارتفعت أسعاره حتى صار بعيد المنال، إضافةً إلى فرص عمل باتت نادرة في ظلّ اقتصاد متعثر. وكلما زادت الفجوة بين ما يُعلَن إعلامياً وما يعيشه الناس واقعياً، اتسعت أيضاً أزمة الثقة بين المواطن والدولة.

إنّ هذه المذكرات، من دون ترجمة عملية إلى عقود ملزمة، تتحول إلى مجرد أدوات خطابية، تُستخدم لتصدير صورة عن نشاط خارجي يغطي على العجز الداخلي. إلا أنّ الوقائع تشير إلى أنّ أي شراكة دولية أو استثمار حقيقي لا يمكن أن يتحقّق ما لم تتوافر بيئة داخلية مستقرة، على المستويين الأمني والاقتصادي. فالشركات والحكومات التي توقّع هذه المذكرات تحتاج إلى ضمانات واضحة قبل أن تلتزم بإنفاق الأموال أو الشروع في تنفيذ مشاريع على الأرض.

الخلاصة أنّ مذكرات التفاهم التي تُعلَن بكثافة لم تعد بالنسبة للمواطن السوري سوى أخبار عابرة تُضاف إلى سجل طويل من الوعود المؤجلة. فما لم تتحوّل هذه الأوراق إلى عقود ممولة وخطط تنفيذية واضحة، ستبقى بلا قيمة عملية مهما بالغ الإعلام في تصويرها. والحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أنّ السوريين لا يبحثون عن عناوين برّاقة ولا عن لغة دبلوماسية منمقة، بل عن كهرباء تصل إلى بيوتهم، وخبز متوافر في أفرانهم، وخدمات أساسية تضمن لهم حياة كريمة. وإلى جانب ذلك، فإنّ مطلبهم الأعمق يظلّ الأمن والأمان، إذ لا يمكن لأي شركة أو حكومة أجنبية أن تترجم مذكرات التفاهم إلى عقود ملزمة من دون بيئة مستقرة تضمن استمرار الاستثمار وحماية نتائجه. وما لم تنجح الحكومة في توفير هذه الشروط مجتمعة، فإنّ المذكرات ستظلّ في نظر الرأي العام مجرد حبر على ورق يُستخدم لإخفاء أزمة أعمق، أزمة الثقة بين المواطن والدولة.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “336”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى