من سيفر إلى اليوم: كي لا يُختزل حق شعبٍ في ساعاتٍ من اللغة
برزان علي
مئة عام… والسؤال نفسه يعود
قبل أكثر من مئة عام، فتحت معاهدة سيفر عام 1920 نافذة سياسية أمام القضية الكردية، حين تناولت إمكانية الحكم الذاتي للكرد، وفتحت ضمن شروط محددة بابًا لاحتمال الاستقلال. لكن تلك النافذة أُغلقت سريعًا، وجاءت معاهدة لوزان عام 1923 من دون الاعتراف السياسي الذي كان الكرد يأملون به.
ليست القضية هنا أن نستنسخ أحداث عام 1920 ونضعها فوق واقع عام 2026، فالتاريخ لا يعمل بهذه البساطة. لكن من حقنا أن نسأل: ماذا تعلمنا نحن الكرد من ذلك القرن الطويل؟
في لحظة سيفر، جرى التأكيد على أخوّة الأتراك والكرد ووحدة المصير داخل الدولة الجديدة. وبعد تثبيت الدولة والحدود، وجد الكرد أنفسهم أمام واقع مختلف تمامًا. لذلك فإن الذاكرة السياسية الكردية مطالبة اليوم بألا تنخدع بالشعارات وحدها، مهما كانت جميلة، بل أن تسأل دائمًا: ما الذي يُكتب في الدساتير؟ وما الذي يُضمن سياسيًا؟ ومن يملك القرار عندما تتغير موازين القوى؟
تركيا لا تخشى اللغة الكردية بقدر ما تخشى تحوّل الكرد إلى قرار سياسي
المشكلة الكردية بالنسبة إلى دول المنطقة لم تكن يومًا مجرد مشكلة لغة أو فولكلور. جوهرها أن هناك شعبًا كبيرًا موزعًا بين أربع دول، وله أرض وهوية وذاكرة تاريخية وإرادة سياسية.
ولهذا يجب ألا نسمح بتحويل القضية من قضية شعب إلى ملف خدمات وحقوق ثقافية محدودة.
نعم، نريد المواطنة المتساوية. نعم، نريد اللغة الكردية في المدارس والجامعات والمؤسسات. نعم، نريد الديمقراطية لكل شعوب المنطقة. لكن السؤال الذي يجب ألا يُمنع الكرد من طرحه هو: هل هذه الحقوق هي نهاية القضية، أم جزء من حلها؟
حين يصبح أعلى سقف للكرد هو بضع ساعات لتدريس لغتهم، بينما يبقى القرار السياسي والأمني والثروة والأرض والدستور بيد المركز، فنحن لا نكون أمام حل تاريخي للقضية الكردية، بل أمام إعادة تعريفها بما يناسب الدولة المركزية.
أخطر معركة هي معركة تخفيض السقف الكردي
قد لا تحتاج القوى الإقليمية اليوم إلى القول للكرد: أنتم لستم شعبًا. يكفي أن تقنعهم بأن المطالبة بحق تقرير المصير فكرة قديمة، وأن الحديث عن كيان سياسي كردي خطر، وأن المطلوب منهم أن يكونوا مواطنين صالحين داخل الحدود القائمة، ثم يُسمح لهم ببعض الحقوق الثقافية.
هنا تكمن المعركة الحقيقية.
فالحقوق الثقافية لا تتعارض مع حق تقرير المصير، والمواطنة لا تلغي الهوية القومية، والديمقراطية لا تعني أن يتنازل شعب عن حقه في مناقشة مستقبله.
ليس مطلوبًا من كل جزء من كردستان أن يعلن غدًا دولة مستقلة. الظروف مختلفة، وموازين القوى مختلفة، وإرادة السكان هي الأساس. لكن الخطأ التاريخي هو أن تتنازل الحركة الكردية مسبقًا عن الحق نفسه، وأن تجعل ما تفرضه موازين القوى اليوم عقيدة سياسية للأجيال القادمة.
حزب العمال الكردستاني: المطلوب مراجعة النتائج لا تقديس الشعارات
على الحركة الكردية أن تمتلك الشجاعة لمراجعة تجربة أكثر من أربعين عامًا من الصراع بين تركيا وحزب العمال الكردستاني.
لا يكفي أن نسأل ماذا قال الحزب، بل ماذا كانت النتائج السياسية على الأرض؟
هل اقترب الكرد من بناء قرار قومي مستقل؟ أم ازدادت الساحة الكردية انقسامًا؟ هل أدت عسكرة القضية في أكثر من ساحة إلى حماية الأرض الكردية، أم منحت تركيا ذرائع متكررة للتدخل العسكري خارج حدودها؟ وهل أصبحت بعض التنظيمات الكردية صاحبة قرار مستقل فعلًا، أم أصبحت قراراتها مرتبطة بمراكز حزبية وعسكرية تتجاوز خصوصية كل جزء من كردستان؟
هذه أسئلة سياسية، وليست أحكامًا قضائية ولا ادعاءً بوجود اتفاقات سرية غير مثبتة. ومن حق كل كردي أن يطرحها.
فإذا كانت نتيجة سياسة ما، مهما رفعت من شعارات، هي إضعاف القرار الكردي المستقل، فعلينا أن نراجعها بلا خوف. لا توجد قيادة ولا أيديولوجيا ولا شخصية سياسية فوق مصلحة الشعب الكردي.
سوريا: لا تجعلوا قضية شعب ملحقًا باتفاق عسكري
في سوريا الجديدة، يجب أن يكون الموقف الكردي أوضح من أي وقت مضى.
قضية الكرد في سوريا لم تبدأ مع قسد، ولم تبدأ مع الحرب السورية، ولن تنتهي بدمج قوات عسكرية في مؤسسات الدولة.
إنها قضية شعب أصيل يعيش على أرضه وله هويته وحقوقه السياسية والقومية.
لذلك فإن أي اتفاق يتعلق بالسلاح أو الجيش أو الإدارة لا يجوز أن يصبح بديلًا عن الحل الدستوري للقضية الكردية.
المطلوب ليس امتيازات لطرف مسلح، بل ضمانات دستورية لشعب: الاعتراف بالوجود القومي الكردي، حماية اللغة والثقافة، مشاركة سياسية حقيقية، ونظام حكم ديمقراطي لامركزي يضمن عدم عودة الاستبداد المركزي.
والأهم: لا يجوز لأي حزب، مهما امتلك من قوة عسكرية، أن يقرر وحده سقف حقوق كرد سوريا. هذا القرار يجب أن يكون ثمرة إرادة كردية سياسية ومجتمعية واسعة.
إيران: لا تسمحوا بإعادة السيناريو نفسه
إذا دخلت إيران يومًا مرحلة تغيير سياسي كبير، فإن كرد إيران سيكونون أمام فرصة تاريخية ومخاطر تاريخية في الوقت نفسه.
من الآن يجب أن يكون السؤال: من يمثل إرادة كردستان إيران؟ وهل ستكون القوى الكردية هناك مستقلة في قرارها، أم ستتحول الساحة مرة أخرى إلى ميدان نفوذ للدول الإقليمية والمحاور والأحزاب العابرة للحدود؟
على الحركة الكردية أن تتعلم قبل وقوع الأحداث، لا بعدها.
لا ينبغي استبدال سلطة مركزية إيرانية بوصاية إقليمية أخرى على القرار الكردي. المطلوب أن يقرر كرد إيران، بأنفسهم وبالوسائل الديمقراطية، طبيعة علاقتهم بالدولة الإيرانية المستقبلية ومستوى حقوقهم وشكل نظامهم السياسي.
إقليم كردستان… لماذا قد يصبح الهدف الأخير؟
هناك حقيقة سياسية يجب التفكير فيها بجدية: إقليم كردستان العراق هو التجربة الكردية الأكثر تقدمًا من حيث المؤسسات الدستورية والبرلمان والحكومة والإقليم المعترف به اتحاديًا.
تخيلوا أن يستقر الخطاب الكردي في تركيا وسوريا وإيران على صيغة واحدة: لا نريد إلا المواطنة وبعض الحقوق الثقافية داخل الدول المركزية.
ماذا سيقال بعد ذلك لكردستان العراق؟
سيقال: لماذا تحتاجون إلى إقليم؟ لماذا تحتاجون إلى برلمان وحكومة وقوات ومؤسسات خاصة؟ وإذا كان الكرد في الأجزاء الأخرى يقبلون بحقوق ثقافية، فلماذا تتحدثون أنتم عن حق تقرير المصير؟
لهذا فإن الدفاع عن حق تقرير المصير لا يعني إعلان الحرب ولا فرض الانفصال. إنه دفاع عن حق سياسي وقانوني ومبدئي في أن يكون الشعب نفسه صاحب الكلمة الأخيرة في مستقبله.
والتنازل عن هذا الحق اليوم قد يتحول غدًا إلى أداة سياسية للضغط على التجربة الكردستانية الوحيدة التي استطاعت الوصول إلى مستوى دستوري متقدم.
إلى الأحزاب الكردية: كفى إدارةً للخلافات الصغيرة
بعد مئة عام من لوزان، لا يجوز أن تبقى الأحزاب الكردية مشغولة بصراعات الأشخاص والمكاتب والمناصب والرايات أكثر من انشغالها بالسؤال القومي الكبير.
قد نختلف على الفيدرالية أو اللامركزية أو الاستقلال، وعلى التوقيت والوسيلة والتحالفات. هذا طبيعي.
لكن يجب أن نتفق على قاعدة واحدة:
لا يحق لأي حزب كردي أن يتنازل باسم الشعب الكردي عن حق الأجيال القادمة في تقرير مستقبلها.
لا يحق لحزب في تركيا أن يحدد سقف كرد سوريا.
ولا يحق لتنظيم في سوريا أن يتحدث باسم كرد إيران.
ولا يحق لحزب في العراق أن يفرض مشروعه على الأجزاء الأخرى.
لكل جزء خصوصيته، لكن للشعب الكردي أيضًا قضية قومية مشتركة، ويجب أن تبقى إرادته مستقلة عن أنقرة وطهران ودمشق وبغداد وعن أي عاصمة أخرى.
إلى الشعب الكردستاني: لا تجعلوا الخوف يتحول إلى برنامج سياسي
هناك فرق كبير بين الواقعية السياسية والاستسلام السياسي.
الواقعية أن تعرف موازين القوى، وأن تختار توقيتك وأدواتك وتحالفاتك بحكمة.
أما الاستسلام فهو أن تجعل ضعفك المؤقت تعريفًا دائمًا لحقوقك.
ربما لا تسمح الظروف اليوم بقيام دولة كردية موحدة، وربما تختلف إرادة الناس من جزء إلى آخر، لكن ذلك لا يمنح أحدًا الحق في محو الفكرة من الوعي الكردي أو تجريم النقاش حولها.
لا نطلب من العالم أن يرسم لنا دولة على الخريطة. ولا ينبغي أن نبني مستقبلنا على شائعات عن مشروع دولي أو شرق أوسط جديد يضمن لنا دولة؛ فالدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها وتتغير سياساتها.
ما نحتاجه هو شيء أكثر ثباتًا: إرادة كردية مستقلة، ووحدة في القضايا المصيرية، ومؤسسات ديمقراطية، وبرنامج سياسي يستطيع مخاطبة العالم بلغة الحقوق والمصالح معًا.
السؤال الذي يجب ألا يموت
قبل قرن ضاعت فرصة تاريخية، ثم عاش الكرد عقودًا من الإنكار والصراعات والانتفاضات والتهجير.
واليوم لا نعرف كيف ستبدو خريطة الشرق الأوسط بعد عشر سنوات أو عشرين سنة. لكننا نعرف شيئًا واحدًا: الشعوب التي تدخل المراحل التاريخية بلا مشروع تدفع ثمن مشاريع الآخرين.
لذلك فإن رسالتنا إلى الحركة السياسية الكردية واضحة:
لا تجعلوا المواطنة بديلًا عن القضية القومية.
لا تجعلوا اللغة بديلًا عن القرار السياسي.
لا تجعلوا اتفاقات الأحزاب بديلًا عن إرادة الشعب.
لا تجعلوا ضرورات اليوم قيودًا على أجيال الغد.
ولا تسمحوا لأنقرة أو طهران أو دمشق أو بغداد، ولا لأي تنظيم كردي عابر للحدود، بأن يقرر نيابة عن الشعب الكردي ما هو الحد الأقصى المسموح له أن يحلم به.
نريد السلام، لا الحرب.
نريد الديمقراطية، لا الاستبداد.
نريد التعايش مع الشعوب المجاورة، لا العداء معها.
لكن التعايش الحقيقي لا يُبنى على أن يتخلى طرف عن هويته وحقوقه حتى يطمئن الطرف الأقوى.
بعد مئة عام من لوزان، يجب أن يكون السؤال الكردي أكثر وضوحًا لا أقل وضوحًا:
هل نحن جماعات سكانية تطالب ببعض الحقوق داخل أربع دول، أم نحن شعب له حق أصيل في أن يناقش ويقرر مستقبله السياسي بإرادته الحرة؟
قد تختلف الإجابات والطرق والمراحل.
لكن إياكم أن تسمحوا لأحد بأن يمنع السؤال نفسه.
لأن الشعب الذي يتنازل عن حقه في السؤال اليوم، قد يجد غدًا أن الآخرين كتبوا الجواب نيابة عنه.
ملاحظة تحريرية: المقال يميز بين الوقائع التاريخية المثبتة وبين القراءة السياسية والأسئلة المتعلقة بالأدوار الإقليمية المعاصرة، ويتجنب تقديم الاتهامات غير الموثقة باعتبارها حقائق.






