نوجين مصطفى: لاجئة كردية سورية أصبحت نموذجاً ملهماً للملايين

Yekiti Media

لم تكن نوجين مصطفى ذات الـ 19 ربيعاً، تتخيل أن تتحول حياتها إلى كتاب في يوم ما، وأن تطلب دور النشر حول العالم ترجمته إلى 13 لغة عالمية، وأن تغزو صورها القنوات التلفزيونية العالمية والمواقع الأخبارية، وأن تقف أمام جمهور واسع لتروي تجربتها في أكبر وأشهر البرامج العالمية، وكذلك المنظمات العالمية مثل “منظمة هيومن رايتس واتش” و”الاتحاد الأوروبي”.

وكل هذا ليس بلغتها الأم بل بالإنجليزية، التي طورتها بنفسها دون الذهاب إلى مدرسة في حياتها، حيث اختيرت ضمن قائمة بي بي سي لأكثر ” 100 امرأة” تأثيراً وإلهاماً حول العالم لعام 2018.

تعلُّم ذاتي

عندما تتحدث نوجين، الفتاة الكردية من بلدة كوباني في شمالي سوريا والتي دُمر ثلثاها من قبل تنظيم الدولة الاسلامية عام 2014، عن حياتها التي قضتها في حلب، تحاول إضفاء مسحة من الفرح والتفاؤل على حديثها المليء بالألم الممزوج بالتحدي والابتسامة، لتبعث التفاؤل والإرادة في قلوب الناس.

تقول نوجين عن بداية تعلمها الإنجليزية: “في البداية، علمني إخوتي الأحرف وقراءة بعض الكلمات، وبعد فترة ليست بطويلة، طورت لغتي بنفسي عن طريق مشاهدة وثائقيات بي بي سي، والبرامج العلمية. كما كنت أتابع مسلسلي المفضل – Days of our lives – الأمريكي، الذي ساعدني على تعلّم المحادثة، ثم أخذت أقرأ القصص القصيرة والروايات فالكتب العلمية لعلماء مهمين مثل أنشتاين”.

وسهّل توفر الانترنت أحياناً عليها التعلّم، فقد كانت تستخدم محرك البحث غوغل للبحث عن أي معلومات أو مقالات أو إرشادات. ساعدها ذلك على إتقان اللغة وعلى التثقيف الذاتي باللغة الانجليزية والعربية إلى جانب لغتها الأم الكردية.

وتضيف: ” كنت أفصل نفسي عن أصوات الأسلحة والانفجارات التي كانت تحدث على بعد بضع أميال فقط من منزلنا، عن طريق رفع صوت التلفاز ومشاهدة البرامج المفضلة لدي”.

ومنذ أن بدأت الحرب السورية في عام 2012، كان أكثر ما يخيف نوجين، هي فكرة أنها قد تكون سبباً في منع أسرتها من الهرب بسبب صعوبة نقلها مع كرسيها المتحرك إذا ما نشبت الحرب في مكان إقامتها فجأة، لذا قررت خوض التجربة مع أختها الكبرى والنزوح إلى أوروبا عبر البحر الذي لا مفر منه كمحطة من محطات الهجرة إلى ألمانيا حيث يقيم أخوها.

وتقول نوجين: ” فكرت بأن آخذ فرصتي للبدء بحياة جديدة، كل إنسان يستحق فرصة الحياة”.

ودّعت نوجين بلدها بكلمتين مؤلمتين “عذراً سوريا” لأنها تركتها في حالة حرب كانت ما تزال تحصد من أرواح أبنائها، وتوجهت بعد ذلك إلى محطتها الأولى، تركيا.

كتاب سيرة

نشرت نوجين سيرة حياتها في كتاب كتبته باللغة الإنجليزية، بعد وصولها إلى ألمانيا في أواخر عام 2016، شاركتها الكاتبة البريطانية كريستينا لامب.

الكتاب مليء بالأحداث والآلام والتفاصيل الحزينة أحيانا، والمرعبة أحياناً أخرى، ويُخيل للقارئ للوهلة الأولى أنها قصة من وحي الخيال، لكنه سرعان ما يدرك أنها الحياة الحقيقية التي عاشتها نوجين في زمن الحرب.

فالكتاب لا يشمل فقط رحلة حياتها المليئة بالتحدي وتفاصيل تجاوز العقبات في كل مرحلة، بل هو أيضاً رسالة إلى العالم، بينت فيه الوجه الإنساني للاجئين الذين تركوا بلدانهم رغماً عنهم بسبب الحروب، وكيف أنهم ليسوا أرقاماً ليخافها الغرب، بل بشرٌ جارت عليهم الحرب، وكيف أنهم قادرون على المساهمة في بناء المجتمعات والبلدان التي لجأوا إليها.

تحكي نوجين أيضاً في الكتاب عن بداية الأحداث في سوريا رغم أنها كانت طفلة في الـ13 من عمرها عام 2012، وكيف انزلقت الأمور لاحقاً إلى العنف، ليدفع ثمن ذلك الكثير منالأطفال والشيوخ والمدنيين الأبرياء. وفصّلت الحالة النفسية التي عاشتها وعاشها السوريون في جو كان يسوده الطائرات والصواريخ.

وكتبت عن “كابوس الرعب” أثناء رحلتها في القارب المطاطي الذي نقلها مع بعض أفراد عائلتها إلى جزيرة ليسبوس اليونانية، وكيف كانت تراود خيالها فكرة مرعبة، من أن يقوم أحدهم برمي كرسيها المتحرك من القارب إلى البحر للتخفيف من عبء وزنه.

وتشير في كتابها إلى اضطرارهم للتعامل مع المهربين وتجار البشر، عديمي الرحمة، وعن أوضاع اللاجئين في المخيمات، الذين دفعتهم ظروف الحرب للفرار وكيف أصبحوا هدفا لتلقي الإهانات من كل صوب.

تُعرّف العالم في كتابها على إنسانية اللاجئين الذين جمعهم قدر واحد، وهو التشرُّد، ليصبحوا جميعاً كأسرة واحدة بالصدفة، في طريقهم إلى المجهول، وكيف كانوا يد العون لبعضهم البعض.

وتقول بحب: ” لقد كان بعض أفراد قافلة اللاجئين الذين كانوا معي في رحلتي، يتبادلون الأدوار لحملي مع كرسيي المتحرك وكأنهم من أفراد عائلتي”.

أصبحت نوجين فتاة الـ 15 ربيعاً صلة الوصل في التعامل بين اللاجئين من جهة والإعلاميين والمنظمات العالمية من جهة أخرى لأنها كانت تتحدث الإنجليزية بطلاقة رغم عدم لحاقها بمدرسة في حياتها.

تقول نوجين:” كانت هي المرة الأولى في حياتي التي شعرت فيها أنني حقاً مفيدة، وأستطيع فعل شيء لمن حولي”.

أصدقاء

وفي حديثها لبي بي سي، قالت إنها لم تذهب في حياتها إلى المدرسة كباقي الأطفال في بلادها، بسبب إصابتها بالشلل الدماغي الذي أدى إلى شلل في قدميها، ولم تكن أسرتها قادرة على تأمين تعليمها أو تأمين الوسائل المساعدة من أجل إرسالها إلى المدرسة.

فقد كانت تسكن في الطابق الخامس في حي الشيخ مقصود الشعبي في مدينة حلب، في بناء لا مصعد كهربائي فيه. لذا قضت معظم حياتها في غرفتها منعزلة، “لا صديق لها سوى الكتب والتلفاز”.

فكان تفاعلها مع العالم الخارجي من خلال شرفتها في الطابق الخامس، والتي كانت تتأمل منها حركة الناس في الشارع.

وتميزت نوجين ببساطتها وعفويتها وروحها المرحة، التي ألهمت الملايين ممن شاهدوا قصة حياتها على شاشات التلفزيون العالمية، والتي كانت بدايتها من قناة بي بي سي التي رافقتها رحلتها على الحدود ونقلت تفاصيل مدهشة عن شخصيتها عندما كانت في الـ 15 من عمرها ، وكان ذلك في أواخر عام 2015.

فألهمت العالم من مشاهير سياسة وإعلام ورياضة ونجوم السينما والشاشات العالمية وذوي الاحتياجات الخاصة والمراهقات والمراهقين.

تقول نوجين ودون أن يخلُ حديثها من حس الدعابة: ” لقد أصبحت فتاة مشهورة بعد خمس دقائق من وصولي إلى أوروبا، عندما نشر مصور المفوضية السامية لشؤون اللاجئين صورتي لحظة انتشالي من القارب المطاطي في جزيرة ليسبوس اليونانية، لتنتشر بعدها أخباري في كل أصقاع الأرض”.

وتضيف:” صار صوتي مسموعاً اليوم وأصبحت قادرة على مساعدة الناس وخاصة ذوي الاحتياجات الخاصة”.

وتختصر رحلتها بجملة “لا تتحقق الأهداف بسهولة، يجب علينا أن نحارب من أجل الوصول إليها”. وكانت هجرتي من الوطن رغم ألمي، رحلةً إلى حياةٍ جديدة”.

نزوح

لم تمنع إعاقة نوجين في قدميها من قطع آلاف الكيلومترات من الشرق إلى الغرب في رحلة وصفتها بـ “الرائعة” بحثاً عن فرصة حياة جديدة بعد أن دمرت الحرب معظم المدن السورية.

وتقول نوجين: ” رغم أنني لا أستطيع المشي، إلا أنني لم أكن سلبية تجاه إعاقتي، بل كان ذلك دافعا قويا بالنسبة لي لتحقيق ذاتي وتطويرها، فلجأت إلى العلم والكتب”، وتضيف: “وعندما كنت أفكر في رحلتي عبر البحر، كنت قد قلت لنفسي إما أن أبدأ من الصفر أو أموت والابتسامة على وجهي، لكنني كنت مصرة على خوض التجربة”.

وتتابع: “رأينا مشاهد قاسية تعرض لها بعض اللاجئين على الحدود الصربية المجرية ولا يمكن وصفها لقباحتها، كانت كالكوابيس.

“كم هو محزن أن تشعر بأن هناك من يخاف منك بمجرد أنك ستدخل بلدا جديدا”.

ورغم كل ذلك، لم تفارقها روح الدعابة، كانت تقول بسعادة: “لقد تناولنا الإفطار في مقدونيا والغداء في صربيا، نحن الآن خبراء الجغرافيا الأوروبية والرحلات الطويلة”.

المرة الأولى

وتحدثت نوجين عن المرات الأولى في حياتها، وكانت رحلتها ” رائعة” لأن كل شيء بالنسبة لها كان يحدث للمرة الأولى. فهي المرة الأولى التي تركت فيها مدينتها، والأولى التي ركبت فيها عرض البحر، والأولى التي استقلت فيها القطار، والأولى التي قطعت فيها حدود ثماني دول، والأولى التي قابلت فيها الناس من مختلف الجنسيات والأولى التي التقطتها عدسات الكاميرات والأولى التي تذهب فيها إلى المدرسة وتجلس على المقاعد الدراسية.

ولفتت نوجين أنظار الصحفيين وموظفي المنظمات العالمية التي كانت تترصد أخبار اللاجئين، لغة نوجين الإنجليزية الطليقة وجرأتها وذكاءها في الحديث إليهم والتي حولتها إلى شخصية قائدة في مجموعتها رغم صغر سنها.

أول التحاق بالمدرسة في ألمانيا

وصلت نوجين إلى ألمانيا في سبتمبر/أيلول عام 2015، وبعدها بعام، بدأت للمرة الأولى في حياتها تدرس مع أصدقاء مثلها في صف ومقعد دراسة ومدرسة، يلعبون سوية ويدرسون سوية دون أن تكون قدماها عائقا لها.

وعند سؤالها إن كانت قد أخبرت زملاءها في المدرسة عن شهرتها وكتابها المترجم إلى 13 لغة عالمية، وعن نشاطاتها مع الأمم المتحدة وحقوق الإنسان ولقائها مع مشاهير الرياضة والسياسة و الإعلام، قالت:” لا أريد أن أُعامل بطريقة مختلفة عن زميلاتي، أريد أن أكون فقط نوجين وأستمتع مع أصدقائي دون أن يميزونني بأي شيء، لذا لا يعرف عني زملاء الدراسة أي شيء، فقط مدير المدرسة ومعلمتي من يعرفون عني”.

وعن حلمها قالت:” كنت أتمنى أن أصبح رائدة فضاء عندما كنت أصغر سناً، لكنني بعد أن أدركت المتطلبات الجسدية لذلك الحلم، غيرته إلى الخطة ب وهي دراسة علم النفس وفهم البشر، لأنني أعتقد أن الإنسان بحد ذاته أكبر لغز”.

وقالت”: سنظهر للعالم كله أن المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل كانت على حق عندما فتحت أبواب بلادها للاجئين وإنها ستكون فخورة بنا يوما ما”.

تريد نوجين أن تقول للعالم الغربي إنهم يحتاجون تعاطفهم مع اللاجئين قبل المأوى، وإنهم ليسوا مجرد أرقام أو عبء، بل يستطيع اللاجئون المساهمة في تطوير اقتصاد البلدان والوصول إلى أعلى الدرجات العلمية.

مشاهير

كان الممثل والإعلامي البريطاني جون أوليفر، ومن خلال برنامجه ( Last week Tonight) قد خصص حلقة من برنامجه الشهير على شاشة “HBO ” الأمريكية لنوجين مصطفى، حيث طلب إعادة تمثيل المشهد الأخير من المسلسل الأمريكي المفضل لدى نوجين (Days of our lives ) لتغيير المشهد الأخير الذي أحزن وفاة البطل نوجين. لذا أعيد البطل في المشهد الأخير إلى الحياة لتكون نهاية سعيدة وتُدخل الفرحة لقلبها.

ويقول البطل في المشهد التمثيلي الأخير من المسلسل: ” ليس صعباً أن تعود من الموت إلى الحياة، لكن الأصعب أن تأتي من سوريا إلى ألمانيا عبر ثماني دول وعلى كرسي متحرك … ( في إشارة إلى قصة نوجين)، ويتابع البطل المشهد ويقول: لكنني قرأت كتاب نوجين مصطفى التي ألهمتني وحثتني على المقاومة والعودة إلى الحياة”.

وتقول الباكستانية ملالا يوسفزاي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام: “علمتني نوجين أن لا حدود للأحلام، هي بطلتنا وملهمتنا، وأنصح الجميع بقراءة كتابها الذي يمنح القوة”.

BBC

قد يعجبك ايضا