هجوم تدمر: مؤشر على أزمة بنيوية في الجيش السوري لا حادثة عابرة
جوان ولي
لم يكن الهجوم الذي وقع في مدينة تدمر ضد وفد عسكري مشترك حادثة أمنية عابرة، بل هو انعكاس لأزمة بنيوية عميقة داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية التابعة للإدارة الجديدة بقيادة الرئيس المؤقت أحمد الشرع.
فبعض المجموعات المنضوية تحت هذه القيادة لا تتحرّك بدوافع فردية، بل وفق عقيدة متشددة تعتبر قتل “غير المسلمين” عملًا تعبديًا، ما يحوّل العناصر المتأثرة بهذه الأفكار إلى قنابل موقوتة داخل المؤسسات الأمنية نفسها.
وتزداد خطورة هذا الواقع حين يوضع في سياق التعاون القائم بين القوات الأمريكية وقوات الحكومة السورية المؤقتة.
فبينما تعتمد الخطط المشتركة على التنسيق العسكري والاستخباراتي، يبقى عنصر الثقة هشًا للغاية، خصوصًا بعد أن أعلنت وزارة الداخلية السورية أنّ منفّذ الهجوم كان عنصرًا في الأمن العام منذ أكثر من عشرة أشهر، وأن تقييمًا أمنيًا صدر بحقه قبل أيام قليلة أشار إلى احتمال حمله أفكارًا تكفيرية، وكان من المقرر فصله من الخدمة.
هذا الاعتراف الرسمي يكشف أنّ المشكلة ليست في نقص المعلومات، بل في عجز البنية الأمنية عن التعامل مع الخلل قبل تحوّله إلى تهديد فعلي.
ووفق بيان وزارة الداخلية، وقع الهجوم أثناء اجتماع ضمّ مسؤولين من قيادة الأمن في البادية مع وفدٍ من قوات التحالف الدولي لبحث آليات مكافحة تنظيم داعش، حيث تسلّل المنفّذ إلى موقع الاجتماع وأطلق النار على القوات السورية والأمريكية، ما أدّى إلى مقتل جنديين ومترجم وإصابة آخرين.
وأكّدت مصادر أمنية أنّ السلطات أوقفت أكثر من 11 عنصرًا من الأمن العام للتحقيق في ملابسات الحادثة، في خطوةٍ تعكس حجم الارتباك داخل المؤسسة الأمنية.
من جانبها أعلنت القيادة الوسطى الأمريكية أنّ الوفد كان في تدمر ضمن مهمة دعم للعمليات الجارية ضد تنظيم داعش، و ذهبوا إلى مقر أمني في تدمر حيث وقع الهجوم.
هذه الحادثة تكشف أنّ الخرق لم يكن نتيجة اختراق خارجي، بل جاء من داخل الجهاز الأمني السوري نفسه، وهو ما يضع التعاون الدولي أمام تحديات إضافية.
وأشار المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا إلى أنّ قيادة الأمن الداخلي في البادية تضمّ أكثر من خمسة آلاف عنصر وتخضع لتقييم أسبوعي، مؤكدًا أنّ المنفّذ لا يشغل أي موقع قيادي وأنّ إجراءات بروتوكولية جديدة ستُعتمد بالتنسيق مع التحالف الدولي لضمان حماية الوفود المشتركة.
غير أنّ هذه التصريحات، رغم أهميتها، تفتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول قدرة الأجهزة الأمنية على ضبط عناصرها ،في ظلّ انتشار الفكر المتشدد داخل بعض تشكيلاتها الرئيسية.
فالجيش الذي جرى تشكيله من أكثر من 130 مجموعة مختلفة يضمّ خليطًا واسعًا من العقائد والانتماءات ، ويُعدّ الفكر الإسلامي المتشدد أحد ركائزه الأساسية. هذا التنوع غير المنضبط حوّل المؤسسة العسكرية إلى فسيفساء متناقضة يصعب توحيد عقيدتها القتالية أو ضبط سلوك عناصرها، خصوصًا مع وجود آلاف المقاتلين الأجانب الذين لا ينظرون إلى سوريا كدولة يجب بناؤها، بل كغنيمة حرب أو ساحة صراع مفتوحة.
وتجد الدولة السورية نفسها اليوم أمام مفارقة معقدة، إذ تخوض حربًا ضد مجموعات رئيسية من داخل مؤسساتها الأمنية نفسها، التي تأسّست على بنية فكرية متشددة. هذا التناقض بين الإرث العقائدي الذي بنيت عليه هذه المجموات والمسار الذي يريد التحالف الدولي من سوريا تبنيه اليوم يطرح أسئلة جوهرية حول قدرتها على إعادة بناء جهاز أمني وعسكري موثوق، وحول حدود الإصلاح الممكن في ظل تراكمات عقائدية وتنظيمية عميقة.
إنّ هجوم تدمر في ضوء هذه المعطيات ليس حادثًا عابرًا، بل مؤشر خطير على هشاشة البنية الأمنية السورية، وعلى المخاطر التي تهدّد التعاون الدولي القائم على ثقة غير مستقرة. واستمرار هذا الواقع سيجعل أي اتفاق أمني أو عسكري إطارًا شكليًا قابلًا للانهيار عند أول اختبار، وسيبقي المشهد السوري رهينة تناقضاته الداخلية قبل أي تهديد خارجي.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “339”






