آراء

هل تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ هو المدخل إلى الشرق الأوسط الجديد؟

فرحان مرعي

الاتفاقيات القديمة التي قسمت العالم، قبل مائة سنة، كانت سرية، وطبخت في الغرف المغلقة، كاتفاقية سايكس بيكو التي كشفت الغطاء عنها الثورة البلشفية، ومثل هذه الاتفاقيات عادةً تبقى سرية في أروقة المخابرات الدولية وفي دوائر القوى الضاغطة الخفية .

في الحقيقة كانت سوريا بؤرة التوتر في المنطقة، نتيجة تراكمات سياسية على مدى خمسة عقود من الزمن، لم تحلّ مشاكلها حتى انفجرت أزماتها في عام ٢٠١١، أو ما سُميت ثورة، ثم أزمة دولية، وحرب داخلية، لتتحوّل سوريا إلى بلدٍ منكوب، ودمار هائل، وساحة لجذب الإرهاب  وصراع دولي وإقليمي لم ينتهِ بعد ، ويبدو من هذا التدخل… ، وتفاعلاته المكثفة نحو سوريا، سياسياً وعسكرياً ، أنه سيكون  نقطة انطلاقٍ نحو الشرق الأوسط الجديد، لأهميتها الجيوسياسية والتاريخية والإقتصادية، حيث تقول بعض التقارير للمسح الجيولوجي إنّ سوريا تتربّع على أحواض كبيرة من النفط والغاز، وخاصةً الغاز في الساحل السوري كمادة استراتيجية عالمية على المدى الطويل ،  وحيث تعتبر سوريا منطقة عبور استراتيجية لنقل الغاز ، قبل الوصول  لبدائل جديدة للطاقة أكثر نظافة.

عملياً، وعلى الأرض ،  سوريا مقسمة إلى مناطق  نفوذ دولية وإقليمية واضحة المعالم والجغرافيا- بين تركيا، إسرائيل وأمريكا، روسيا، ولا ننسى السعودية العنصر الفاعل في كلّ الاتفاقيات، رغم إلتزام جميع الدول بوحدة الأراضي السورية – تنتظر اللمسات الاخيرة من قبل الدول المعنية التي لم تتفق بعد على صيغة سياسية معينة لسوريا الجديدة ورسم الخرائط، السياسية والجغرافية والاقتصادية، حيث لكلّ دولة مصالحها واجنداتها الخاصة لا تتقاطع هذه المصالح كثيراً في كثير من الجزئيات والتفاصيل، والنتيجة المؤكدة أنّ سوريا الماضية (سوريا الأسد، والبعث،  والقوموية) انتهت ، وهي اليوم أمام مفترق طرق تنتظر صافرة الإنطلاق الدولية : إما العودة إلى المركزية الإستبدادية، التي اثبتت فشلها منذ الإستقلال، بل جلبت الويلات والكوارث على سوريا وشعبها ومحيطها الجغرافي، وكانت الثورة السورية، وأزمتها التي دامت أكثر من خمس عشرة سنة  نتيجة منطقية لهذه المركزية المستبدة التي سقطت في 8-12-2024 وعلى الأغلب هذه الصفحة طويت وإلى الأبد ، أما الطريق الثاني المتداول بقوة هو اللامركزية (السياسية، الجغرافية، الإدارية) ، التي أصبحت مع الثورة السورية ومع سقوط نظام الأسد مطلباً سورياً عاماً، وخاصةً من قبل القوميات المضطهدة ،كالكُرد والطوائف والثقافات المختلفة  ، مثل العلويين والدروز ، ومن قبل النخب السياسية المثقفة من الأغلبية السنية، ولكن عدم التوافق عليها، هو معارضة المحيط السوري ، وخاصةً من قبل تركيا التي ترفض هذا النموذج – اللامركزية السياسية جملة وتفصيلاً –  نتيجة تنامي عقدة كُرد فوبيا لديها، وهاجسها الوحيد القضية الكُردية كقضية داخلية تركية أساسية ، ومعارضة بعض الدول العربية التي تخاف من أن تنتقل عدوى اللامركزية إلى بلادها، مثل الأردن، الخليج العربي وغيرها ، وهي الدول التي تخشى نسائم الديمقراطية والحداثة أن تخترق جدرانها الصلبة ، إلى جانب فئات مختلفة التي تنظر بعين الشك والريبة ، بحجة قد  تؤدّي اللامركزية السياسية إلى تقسيم سوريا أو أنها تشجّع (الإنفصالييين الكُرد) على التقسيم،  كما يدّعي البعض من الشوفينيين العرب، وبالتالي ، هي محل جدال ونقاش كبيرين على الساحة السورية وخاصةً بعد الأحداث الدامية التي حصلت في الساحل السوري والجنوب في محافظة السويداء الدرزية، من قبل جماعات السلطة الحالية وفصائلها المتطرفة العابرة للحدود .

أما الطريق  الثالث، فهو التقسيم، التقسيم الجغرافي،أو الإقتصادي،  الذي هو من الخيارات الغامضة في كواليس الاستخبارات الدولية ومخططاتها لتقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ جديدة، تعيد خارطة الشرق الأوسط إلى شكلٍٍ جديد.

في هذا السياق، فقد شكّلت الزيارة الأخيرة، في شهر تشرين الثاني الحالي، لرئيس السلطة المؤقتة احمد الشرع إلى واشنطن، نقطة تحول كبيرة، توضّحت المعالم أكثر، ورفعت الغبار، عن ملفات كثيرة، لرسم الخطوط العريضة لمستقبل سوريا الجديدة، فشطبت في هذا الاثناء العقوبات عاى الرئيس احمد الشرع ووزير داخليته انس الخطاب ، بتهم الإرهاب في مجلس الأمن بقرار ، ٢٧٩٩ ،كما أعطى القرار حرية التصرف الدولي من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ، وكما أعلن، في واشنطن عن انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة داعش، كخطوة تاريخية- بحسب تعبير المسؤولين الأمريكيين-، قد تغيّر صورة الشرق الأوسط، وبهذا تقف سوريا على السكة المطلوبة دولياً،  وتنتقل من دولة راعية للإرهاب إلى دولة لمكافحة الإرهاب، وعليها بالتالي تنفيذ مهام أساسية وفق هذه الإتفاقية الجديدة في المرحلة القادمة، كبوادر حسن النية ورفع العقوبات الأخرى مثل عقوبات القيصر التي تمّ تعليقها إلى فترة اختبار للنظام الجديد في سوريا، وهي اولاً :محاربة بقايا داعش والفصائل المتطرفة الأخرى من جنسيات مختلفة والمحسوبة أصلاً على السلطة الجديدة ، والتي جاءت معها إلى دمشق من محافظة إدلب ، ومحاربة حزب الله، وقد تمتدّ المهمة إلى الفصائل الشيعية الموالية لإيران في العراق، أي صفر ميليشيات في المنطقة، وخاصةً الموالية لإيران ، ثانياً :تنفيذ اتفاقية أمنية، عسكرية في الجنوب حيث أمن إسرائيل المقدس ، ثالثاً : اتفاقية أمنية وعسكرية في شمال شرق سوريا حيث تركيا، (والأمن القومي التركي) وقسد، و ب ك ك، رابعاً : الإنضمام إلى اتفاقات ابراهام، وغيرها من المهام التفصيلية الاخرى، وهذه في الحقيقة ملفات معقدة وليست سهلة، ولن تكون ممكنة التنفيذ بين ليلة وضحاها، ستمرّ سوريا،خلال هذه الفترة،  بسيناريوهات عديدة أقلها عدم الإستقرار، فالتركة ثقيلة، والأطماع كبيرة، ويبدو من المشهد من يحكم سوريا أكثر يقرّر مصير الشرق الأوسط أكثر.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “338”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى