آراء

هل توقّفت خارطة التغيّرات السياسية لنتنياهو عند أسوار طهران، أم للحديث بقية؟

فؤاد عليكو.

ما أن انتهت حرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل وأمريكا من جهة، وإيران من جهة أخرى في شهر حزيران الماضي، حتى أعلن كل طرف احتفاله بالنصر على الآخر. وهذه حالة نادرة في الحروب بين الدول، إلا إذا اعتبرنا ما نتج عن هذه الحرب هو معادلةً صفرية، وهي الأقرب إلى الحقيقة؛ أي لا غالب ولا مغلوب.

ولتحليل ذلك، لا بدّ من استعراض مواقف وروايات كلّ طرفٍ من هذه الحرب.

أولًا: إسرائيل

أعلنت أنّ هدفها من الحرب هو تدمير البنية التحتية للمفاعلات النووية الإيرانية والصواريخ الباليستية، لكن الهدف الحقيقي كان يتمثّل في تغيير النظام الإيراني، انسجامًا مع ما عبّر عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 7 أكتوبر 2023، إثر اجتياح “حماس” لغلاف غزة وقتلها وأسرها عددًا كبيرًا من الإسرائيليين — في سابقة لم تحدث منذ تأسيس دولة إسرائيل، رغم خوضها عدة حروب مع الدول العربية — مما كسر أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” أمام أعين الشعب الإسرائيلي.

حينها، أعلن نتنياهو أنّ “إسرائيل تخوض حرب وجود”، وأنه “يجب تغيير الخارطة السياسية في الشرق الأوسط”. ووجّه أصابع الاتهام مباشرةً إلى إيران وأذرعها في المنطقة، متهمًا إياهم بالسعي لتدمير الدولة الإسرائيلية وإنهاء الوجود الإسرائيلي في المنطقة.

وفي ضوء هذه الرؤية، خاضت إسرائيل حربًا هستيرية في غزة لم يسبق لها مثيل، حيث قاربت حصيلة القتلى حتى الآن 60 ألفًا، وضعف هذا الرقم من الجرحى، مع تدمير نحو 80% من غزة. وما تزال آلة التدمير الإسرائيلية تعمل دون رحمة.

وقد دخلت قوى أخرى على خط الإسناد لغزة، حيث انضمّ “حزب الله” اللبناني والحوثيون في اليمن إلى المعركة في اليوم الثاني.

وردًا على ذلك، خاضت إسرائيل حربًا شرسة مع حزب الله، تمكّنت خلالها من تدمير جنوب لبنان وقتل العديد من قادة وكوادر الحزب، وعلى رأسهم حسن نصرالله. وبذلك أُرغم الحزب على التراجع والقبول بوقف إطلاق النار، والقبول بنزع السلاح وفق القرار الدولي 1701. وقد أدّى ذلك إلى تغيّر جزئي في الخارطة السياسية في لبنان، إلا أنّ تنفيذ نزع السلاح لم يتمّ حتى الآن، بل تصاعد تصلب موقف الحزب بعد انتهاء الجولة الإسرائيلية/الإيرانية دون نتيجة حاسمة.

ثم انتقل الصراع إلى سوريا، حيث تمّ إسقاط النظام خلال أحد عشر يومًا. أما الحوثيون، فما زالوا على موقفهم رغم الضربات الموجعة من قبل أمريكا وإسرائيل وبريطانيا. لكن بُعد المسافة يجعل تأثيرهم محدودًا على الأمن الإسرائيلي.

وفي خطوةٍ لاحقة، انتقل الصراع إلى الداخل الإيراني بهدف تغيير النظام، لكن، وعلى الرغم من التحضير الإسرائيلي الجيد للعملية عسكريًا ولوجستيًا وتوجيه ضربات موجعة للبنية العسكرية للنظام الإيراني ، فإنّ الحملة فشلت في تحقيق أهدافها. وتمكّنت إيران من إعادة ترتيب صفوفها في وقتٍ قياسي، وبدأت بتوجيه ضربات مؤثرة لإسرائيل، مما أعاد الأمور إلى المربع الأول، وأسهم في فقدان ثقة الشعب الإسرائيلي بجيشه من جديد. وليس أبلغ من قول الصحفي يوسي توريس في صحيفة هآرتس: “لا تربّوا أولادكم هنا، خذوهم إلى بلاد أخرى حتى يتغيّر الحال”.

ثانيًا: إيران

أدركت إيران أنّ رأس النظام هو الهدف المباشر لإسرائيل، بعد سلسلةٍ من الضربات التي طالت منشآت عسكرية، وعلماء نوويين، وقيادات سياسية. ولذا دافعت بشراسة عن وجودها كنظام، مستخدمة كامل ترسانتها الصاروخية. وتمكّنت خلال فترةٍ قصيرة من استعادة التوازن في المعركة. كما تدرك أنّ إطالة أمد المعارك يصبّ في صالحها، نظرًا لاتساع مساحتها، وعدد سكانها، وقدرتها على تحمل الخسائر، على عكس إسرائيل التي تفتقر لهذه الميزات.

ثالثًا: الولايات المتحدة الأمريكية

يبدو أنّ واشنطن على خلافٍ مع إسرائيل بشأن أهداف الحرب، إذ تتفق معها فقط على الملف النووي، لكنها لا تسعى إلى تغيير النظام الإيراني، ولا إلى تدمير قدراته الصاروخية. لذلك، اقتصرت مشاركتها العملية على تدمير مواقع المفاعلات النووية، ثم ضغطت على إسرائيل لإيقاف الحرب.

وهذا يشير إلى أنّ “التخادم” بين أمريكا وإيران لا يزال قائمًا، وهناك شيفرات متبادلة لإدارة الصراع بينهما في المنطقة. وقد تجلّى ذلك في الاتفاق الأمريكي مع الحوثيين، بعد شهرين من القصف الجوي دون أن يشمل الاتفاق السفن الإسرائيلية أو يتضمّن دعمًا للحكومة الشرعية في اليمن في مواجهة الحوثيين.

الخلاصة:

الصراع لم ينتهِ بعد، ويمكن اعتباره جولة خشنة من جولات النزاع في المنطقة. فالخرائط الجغرافية تهتزّ، لكنها لم تتغيّر بعد. واستقرار المنطقة لا يزال بعيد المنال. وقد نشهد انزياحات في بؤر الصراع من دولةٍ إلى أخرى، وقد يستغرق ذلك وقتًا طويلًا.

لكن التغيير قادم لا محالة، وللحديث بقية…

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “334”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى