آراء

هل من مقاربة تركية جديدة للأزمة السورية ؟

إسماعيل رشيد

إنّ تصريحات وزير الخارجية التركي بخصوص المصالحة بين النظام والمعارضة السورية والتي أثيرت إعلامياً وتصدّرت المشهد السياسي، وما رافقتها من حالة الغضب الجماهيري في الشمال السوري ، لم تأتِ بجديدٍ، إذا تابعنا تسلسل الأحداث ، حيث انخرطت تركيا منذ مطلع 2017، بالتنسيق والتفاهم، في محور أستانة ( تركيا- روسيا – إيران ) وباتت سياستها ترتكز على مسألة التهديد في الشمال السوري، ودخلت مع روسيا وإيران بمجموعة تفاهمات، فهناك تزايد في مخاوف تركيا حول تعثّر مفاوضاتها مع أمريكا ، بخصوص سوريا ،حول دعم قسد وعدم تنفيذ الاتفاقيات أو التفاهمات مع أمريكا ، حول انسحاب قسد لمسافة32 كم عن الحدود التركية ، وكذلك تأتي هذه التصريحات في سياق الضغوط التي تتعرّض لها حكومة تركيا ، من قبل معارضيها، وخاصةً الأزمة الإقتصادية وملف اللاجئين، قبيل الانتخابات المقبلة ، وذلك من خلال إيجاد حلٍّ لوضع اللاجئين ( إقامة منطقة آمنة ) سواءً بالطرق الدبلوماسية أم العسكرية، فتركيا أعلنت في أكثر من مناسبة بأنها غير مستعدة أن تتحمّل القسط الأكبر من تداعيات الأزمة السورية، حيث تحتضن أكثر من 3.5 مليون لاجئاً سورياً على أراضيها، والتهديد لأمنها القومي على طول حدودها الجنوبية من قبل المجموعات المرتبطة بحزب العمال الكُردستاني المصنّف على قائمة الإرهاب لعدة دول ، ومنها أمريكا و دول الاتحاد الاوربي وتركيا .

التطورات الأخيرة تشير إلى تفاهماتٍ حصلت في قمة سوتشي الأخيرة، بين الرئيسين التركي والروسي، وقد سبقتها قمة طهران الثلاثية، وتمّ من خلالهما التأكيد على مكافحة المجموعات الإرهابية، والتعاطي بشكلٍ جدي ومختلفٍ مع الملف السوري، من خلال تقليص الدور والوجود الأمريكيين، وبالتالي أرجحية مسار أستانة ميدانياً في ظلّ تراجع مسار جنيف الدولي .
ومن هنا فإنّ التصريحات التركية تأتي في سياق الإصرار الروسي لحلّ مشاكل تركيا الأمنية مع سوريا، من خلال صيغة معدّلة لاتفاقية أضنة 1998 مع النظام السوري، وهو بالنهاية خيار جيد لتركيا ، وورقة ضغطٍ على أمريكا والتي لازالت تراقب التطورات، دون اتخاذ أية مواقف عملية ، فيبدو أنّ الهمّ الأمريكي بدأ يرتكز أكثر على الجبهة الروسية – الأوكرانية ، والمعطيات تشير إلى تهميش الوضع السوري من قبل المجتمع الدولي ، ففي حال استمرار أزمة أوكرانيا ستكون هناك محطة مهمة وبارزة في لعبة التوازنات (غاز شرق المتوسط ) والتي ستحسّن من علاقات تركيا مع أكثر من دولة ، والعقبة لازالت ( سوريا ) ، وهي مسألة مهمة تأخذها تركيا بعين الاعتبار، والتي دخلت منذ 2011 بعلاقات إقليمية سيئة والآن تعود بقوةٍ من خلال مقاربات إقليمية كبيرة، وباتت لاعباً مؤثّراً ومحورياً على أكثر من صعيد .

في ظلّ هذه اللوحة والمشهد السياسي ، وتغيير قواعد اللعبة ، وفق تقاطع مصالح الدول ، لازالت إدارة الإتحاد الديمقراطي وقسد ، وتحكّم كوادر العمال الكُردستاني بمفاصل مناطق سيطرة الإدارة الذاتية ، تنتهج سياساتها المدمّرة وممارساتها الاستئثارية بمصير شعبنا ، في وقتٍ كان يتطلّب منها التهدئة والمراجعة والاعتراف بفشلها السياسي والعسكري أمام لعبة توازنات الدول، وباتت هي الحلقة الأضعف وعرضة للبازارات والمقايضات، ضمن الدور الوظيفي المسند إليها والذي يأتي في سياق “جنودٍ تحت الطلب ” خدمةً لأجندات لا ناقة لشعبنا فيها و لا جمل .

للأسف المشهد السوري يزداد تعقيداً، وقواعد اللعبة السياسية وتحالفات اللاعبين تتغيّر وفق تقاطع مصالح الدول، والشعب السوري يستمرّ في مأساته في ظلّ غياب الإرادة الدولية للحلّ، وعدم ترجمة قراراتها بخصوص سوريا خاصةً القرار 2254 , وكذلك تشتت المعارضة السورية وغياب بلورة المشروع الوطني الموحد…

يبدو أنّ النفق المظلم سيلازم السوريين إلى أجلٍ غير مسمّى ، والسؤال المطروح : هل تصريحات تركيا وتحركاتها ستجبر أمريكا والأوربيين وحتى الدول العربية للتحرك بعد مواقفها شبه العدمية إزاء محنة السوريين ؟ وهل ستعيد تركيا حساباتها غير المحسوبة ؟

هذا ماستكشفه قادمات الأيام. .

المقالة منشورة في جريدة يكيتي العدد 301

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى