أخبار - دولية

واشنطن.. كيف ستُرفع العقوبات عن سوريا وما حقيقة الرقابة الصارمة؟

Yekiti Media

برزت مؤخرًا ملامح تحرك تشريعي جديد بالكونغرس الأميركي، يقوده رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، النائب الجمهوري براين ماست، هذا التحرك إن كان ظاهره يوحي بمرونة تجاه قانون “قيصر” والعقوبات المفروضة على دمشق، إلا أن جوهره يحمل بذور آلية رقابية صارمة قد تجعل من رفع العقوبات اختبارًا سياسيًا وأمنيًا عسيرًا للحكومة السورية، وليس مجرد انفراجة اقتصادية.

وفقًا لمعلومات تقاطعت بين مصادر تشريعية وتحليلات لخبراء في إدارة الأزمات الدولية، من بينهم إسحاق أندكيان، فإن المشرعين الأميركيين يعكفون على صياغة مسودة قانون تتضمن ما يُعرف في الدبلوماسية الدولية بآلية “العودة التلقائية” للعقوبات.

في هذا السياق، كشف الخبير في إدارة الأزمات الدولية إسحاق أندكيان أن الآلية التي يجري إعدادها حاليًا لرفع العقوبات دخلت مرحلة صياغة متقدمة، وأنها تتجه نحو نموذج “العودة التلقائية للعقوبات”، وهو نموذج سبق أن اعتمدته واشنطن في الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، ويتيح إعادة فرض العقوبات بشكل فوري إذا ثبت إخلال الطرف المعني بأي من الالتزامات المتفق عليها، من دون الحاجة للدخول في مشاورات سياسية طويلة أو تصويت جديد في الكونغرس.

ويشير الخبير إلى أن هذا النموذج يتماشى مع توجه واضح داخل أوساط الحزبين في الكونغرس، حيث يصر نواب مؤثرون على عدم منح السلطة التنفيذية أي هامش واسع في إدارة ملف العقوبات خلال المرحلة الانتقالية، وفق ما نقلت عنه وكالة “نورث برس”.

ويعكس هذا التوجه ما عبر عنه رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي، براين ماست، الذي أعلن دعمه المبدئي لتخفيف بعض العقوبات، لكنه يضغط في الوقت نفسه لإدراج آلية تشريعية دقيقة تعيد تفعيلها تلقائيًا عند أي انحراف في التزامات الحكومة السورية الانتقالية.

يرجّح أندكيان أن تصبح هذه الآلية جزءًا ثابتًا من الهيكل القانوني الناظم للعلاقة الثنائية بين واشنطن ودمشق في الأعوام المقبلة، خصوصًا مع تزايد نفوذ الكتل البرلمانية التي تربط أي انفتاح اقتصادي على سوريا بتحقيق تقدم ملموس في ملفات الحوكمة وحقوق الإنسان.

تشير معطيات أولية من مراكز بحث أميركية، مثل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إلى أن الكونغرس يسعى إلى منع حدوث تكرار للمسارات التي أدت سابقًا إلى تراخي الرقابة على العقوبات المفروضة على دول أخرى، مثل السودان أو ميانمار، والتي اعتُبر فيها رفع العقوبات سابقاً لأوانه.

ويشرح أن الآلية قيد الإعداد ستتضمن شروطًا واضحة للتفعيل، تشمل مؤشرات أداء في ملفات حساسة مثل احترام حقوق الإنسان، مكافحة الفساد، التزام الشفافية المالية، ومكافحة الإرهاب، إضافة إلى ضمانات تتعلق بحماية الأقليات الدينية والطائفية داخل سوريا.

بيّن الخبير أن هذه الشروط ستستخدم كمعايير تقييم مستمرة ترفع بموجبها تقارير دورية من الإدارة الأميركية إلى الكونغرس، على نحو يشبه آليات الرقابة المفروضة على المساعدات الأمنية الأميركية في كل من مصر وباكستان.

ومن المتوقع، بحسب أندكيان، أن يُربط استمرار تعليق العقوبات بمدى التزام الحكومة السورية بالمعايير المحددة، ما يضمن للكونغرس القدرة على إعادة فرض العقوبات من دون تعقيدات إجرائية قد تستغرق شهوراً.

ويوضح الخبير أن براين ماست يسعى إلى إنهاء الجدل السياسي الذي عادة ما يرافق النقاشات المرتبطة بالعقوبات داخل الكونغرس، عبر تحويل عملية إعادة فرضها إلى إجراء فني محض، قائم على “معادلة واضحة ومحددة سلفًا”، بما يضمن الشفافية أمام المستثمرين المحتملين والحلفاء الدوليين الذين يتابعون المسار السوري بقلق شديد.

قد سبق لوزارة الخزانة الأميركية أن استخدمت أدوات مشابهة في العراق خلال مرحلة ما بعد 2003، عندما ربطت إجراءات تخفيف القيود المالية بآليات رقابية تتابع حوكمة مؤسسات الدولة.

ذهب أندكيان أبعد من ذلك، ليشير إلى أن ملف العقوبات يتجاوز اليوم بعده الاقتصادي التقليدي، إذ أصبح أداة تفاوضية مركزية ضمن ترتيبات الأمن الإقليمي، فثمة نقاشات متنامية داخل واشنطن حول إمكانية أن يكون لسوريا دور في إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في المشرق، ولا سيما في ما يتعلق بقدرتها المحتملة على المساهمة في تقليص نفوذ حزب الله خارج الحدود اللبنانية، خاصة في مناطق بعلبك–الهرمل والجبال المتاخمة للقلمون، وهي مناطق تعد امتدادًا طبيعيًا للعمق السوري وشهدت مواجهات معقدة خلال سنوات الحرب.

وتشير تقديرات نشرها “مجلس الأطلسي” إلى أن أي دور سوري في هذا السياق قد يشكل اختبارًا جوهريًا لمدى استعداد دمشق للانخراط في ترتيبات أمنية جديدة تتوافق مع الأجندة الأميركية.

يزداد هذا النقاش زخمًا مع انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، في خطوة فتحت الباب أمام مقاربات أميركية جديدة لاحتمال توسيع مهام التحالف لتشمل احتواء حزب الله، وهو ما تنظر إليه دوائر سياسية في واشنطن كفرصة لإعادة صياغة قواعد الأمن الإقليمي في ظل تراجع قدرة الدولة اللبنانية على فرض أي تقدم في ملف نزع سلاح الحزب رغم انتهاء المهلة الدولية المرتبطة بهذا الملف.

ويشير أندكيان إلى أن هذا السيناريو قد يضع الحكومة السورية الانتقالية أمام استحقاقات سياسية وأمنية بالغة الحساسية، وربما غير مسبوقة منذ اندلاع الحرب.

ويخلص الخبير إلى أن العقوبات لم تعد مجرد أداة ضغط اقتصادي، بل أصبحت جزءًا من معادلة سياسية أكبر تتعلق بإعادة تعريف أدوار الدول في الشرق الأوسط، وأن أي رفع للعقوبات عن سوريا إن تحقق لن يكون خطوة نهائية أو مفتوحة، بل إجراء مشروط تحكمه آليات رقابية صارمة واعتبارات إقليمية ودولية معقّدة تتجاوز بكثير حدود الاقتصاد السوري المنهك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى