
وحدة الصف الكُردي.. من شعار سياسي إلى ضرورة وجود
جيندار بركات
لم تعد وحدة الصف الكُردي ترفاً سياسياً يمكن تأجيله، ولا بنداً بروتوكولياً يُستحضر في المناسبات والخطابات، بل تحوّلت إلى حاجة وطنيّة ملحّة تمسّ جوهر القضية الكُرديّة ومستقبل شعبها في سوريا.
ففي لحظة إقليميّة شديدة التعقيد، تتقاطع فيها مشاريع النفوذ، وتتزاحم فيها الحسابات الدوليّة والإقليميّة على الجغرافيا السوريّة، يبدو الانقسام الكُردي أكثر من مجرد خلافٍ سياسي؛ إنه ثغرة تُستنزف منها القضيّة ذاتها.
القضايا العادلة لا تضعف من خصومها فقط، بل قد تنهكها انقسامات أصحابها أيضاً، والتجربة الكُرديّة، بما راكمته من تضحيات ونضالات، قدّمت ما يكفي من الدروس التي تؤكّد أنّ التشتت لا ينتج شراكة، وأنّ التنافس حين يتحوّل إلى قطيعة يصبح عبئاً على المصلحة العامة، لذلك، فإنّ الحديث عن وحدة الصف اليوم ليس دعوة أخلاقيّة مجرّدة، بل قراءة واقعيّة لضرورات المرحلة.
الكُرد في سوريا ليسوا أمام ترف الاختيار بين الوحدة والانقسام، بل أمام اختبار تاريخي يتعلق بقدرتهم على حماية مكتسباتهم السياسيّة والدفاع عن حقوقهم القوميّة ضمن رؤية جامعة، فالاستحقاقات المقبلة، من مستقبل الحلّ السوري إلى شكل الإدارة والتمثيل والحقوق الدستوريّة، تتطلب موقفاً كُردياً موحداً أو على الأقل إطاراً سياسياً قادراً على إنتاج موقف مشترك.
لا يعني الحديث عن الوحدة إلغاء التعدديّة، ولا صهر المختلفين في قالب واحد، فالتنوع السياسي حالة صحيّة ما دام محكوماً بقواعد الشراكة والاعتراف المتبادل، المشكلة ليست في وجود رؤى مختلفة، بل حين تتحوّل هذه الاختلافات إلى جدران فصل، أو حين تُقدَّم الحسابات الحزبيّة الضيقة على المصلحة القوميّة الأوسع.
إنّ وحدة الصف ليست اندماجاً تنظيمياً بالضرورة، بل توافق على الثوابت الكبرى: الحقوق القوميّة، الشراكة السياسيّة، حماية المجتمع، وصون القرار الكُردي من الارتهان، وهذا ممكن متى توافرت الإرادة السياسيّة، وغلب منطق المسؤوليّة على منطق الغلبة.
ولعلّ أكثر ما أضرّ بمسار الوحدة خلال السنوات الماضية هو التعامل معها بوصفها ملفاً تفاوضياً لا مشروعاً وطنياً، مرة تُربط بظروف خارجيّة، ومرة تُرحّل بحجة الخلافات التقنيّة، ومرة تُختزل في صور اللقاءات والبيانات، لكنّ الوحدة الحقيقيّة لا تُقاس بعدد الاجتماعات، بل بقدرتها على إنتاج تفاهمات قابلة للحياة.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أنّ القضايا القوميّة الكبرى تتقدّم حين تنجح قواها السياسيّة في إدارة خلافاتها، لا في إنكارها أو تفجيرها، وما يحتاجه البيت الكُردي اليوم ليس خطاباً عاطفياً عن الوحدة، بل شجاعة سياسيّة تترجم هذا الشعار إلى آليات عمل، وإلى بناء الثقة المفقودة بين الأطراف، وإلى إعادة الاعتبار لفكرة الشراكة.
ثمّة مَن يتعامل مع الانقسام كأنّه أمر طبيعي يمكن التعايش معه، لكنّ الوقائع تقول عكس ذلك، فكل انقسام يفتح باباً للتدخل، ويضعف القدرة التفاوضيّة، ويُربك الشارع، ويمنح الآخرين فرصة تقرير ما يجب أن يكون شأناً كُردياً داخلياً، وما لا يُحسم بالحوار قد يُفرض لاحقاً بشروط أقل عدالة.
ومن هنا، فإنّ الدفاع عن وحدة الصف لا يعني الانحياز لطرف ضد آخر، بل الانحياز لفكرة أنّ القضيّة أكبر من الجميع، وأنّ ما يجمع الكُرد سياسياً وتاريخياً أوسع من كل خلاف، فالرهان على تغلّب طرف وإقصاء آخر لم يكن يوماً مشروع استقرار، بل وصفة دائمة لإدامة الأزمة.
كما أنّ الشارع الكُردي، الذي دفع أثماناً باهظة عبر عقود، لا ينتظر من نُخبه السياسيّة مزيداً من الاصطفاف، بل ينتظر منها أن ترتقي إلى مستوى التحديات، فالشعوب لا تُلهمها الخلافات، بل المشاريع الجامعة، وما يمنح أي حركة سياسيّة مشروعيتها ليس قدرتها على إدارة الخصومة، بل قدرتها على حماية المصلحة العامة.
إنّ وحدة الصف الكُردي ليست مطلباً موسمياً يُستدعى عند الأزمات، بل شرط قوة في زمن التحولات، وما تحتاجه المرحلة ليس مجرد اتفاق سياسي عابر، بل ثقافة وحدة تتجاوز اللحظة الراهنة نحو بناء شراكة مستدامة.
ربما لا تكون الطريق سهلة، وربما تعترضها حسابات وموروثات ثقيلة، لكن صعوبة الطريق ليست مبرراً لتركه، ففي القضايا المصيريّة، لا تُقاس الخيارات بما هو مريح، بل بما هو ضروري.
وفي النهاية، ليست الوحدة انتصار طرفٍ على آخر، بل انتصار القضيّة على عوامل التآكل، وحين يصبح الصف موحّداً، تتحوّل السياسة من إدارة خلاف إلى صناعة مستقبل.
ففي زمنٍ تتكاثر فيه التحديات، لا يبدو السؤال الحقيقي: هل نحتاج إلى وحدة الصف الكُردي؟ بل لماذا تأخرت حتى الآن؟
لأنّ ما يحمي القضايا العادلة ليس عدالة مطالبها وحدها، بل قدرة أصحابها على الوقوف معاً دفاعاً عنها، ووحدة الصف، بهذا المعنى، ليست مجرد خيار سياسي.. إنّها شكل من أشكال حماية الوجود نفسه.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “344”






