آراء

ومن جديد: المظلومية الكُردية

إعداد ليلى قمر ووليد عبد القادر

كان لظاهرة تدفّق النفط ذاتياً من أحواض – آبار بابا گرگر أكبر نقمة سياسية على كُردستان العراق ، كما مثيلتها في حقول بروچ – قره جوخ قرب ديريك في سوريا ، هاتان الحدثان فرضتا أكثر من عملٍ جراحي في خرائط سايكس بيكو ، حيث تمّ استبدالٌ للمناطق بين الدول المنتدبة أيضاً ، كما سنلاحظها لاحقاً ، ولكن وكمدخلٍ رئيس لفهم ومعالجة كثير من القضايا ، لابدّ من استعراض أهم الثورات الكُردية التي قامت ضدّ العثمانيين في نهاية عصر احتلالهم لكُردستان والعراق ، وكذلك الثورات الكُردية ضد الانتداب البريطاني ، مروراً بأزمة الموصل وتداخلاتها مع تحديد مملكة العراق بولايتي البصرة وبغداد ، والإبقاء على كُردستان العراق تحت غلاف لواء الموصل ، ومن ثم السجالات حول شكل – نمط حق تقرير المصير الذي يتوجّب الإقرار به لصالح شعب كُردستان ، وهنا وقبل الخوض في التفاصيل لابدّ من استعراض مرحلة ما قبل طرد العثمانيين وقدوم الحلفاء إلى المنطقة ، وردّات فعل شعوب المنطقة وخاصةً الكُرد من قدوم البريطانيين ، حيث كان من الطبيعي أن تحدث هناك مواجهات ، سيما أنّ الحلفاء قدموا بجيوشهم قبل أن تصل الحوارات إلى مرحلةٍ للتأسيس عليها وبعبارةٍ أدقّ ، لم يهتمّ الحلفاء مطلقاً لبناء أرضيةٍ واضحة إنٔ للمصداقية من جهة ، ومن ثم التأسيس عليها لتفاهماتٍ صربحة . ولهذا ما أن احتلّ الإنكليز العراق عام 1917 وفرضوا انتدابهم عليها ، بعد طرد العثمانيين منها ، وفي 3 مارس 1920 . وتوافقاً مع إقرار مؤتمر القاهرة في 9 أبريل 1921 ، المشروع الجديد لإنشاء دولةٍ عربية في العراق ، برئاسة الشريف فيصل بن الحسين ، والذي نودي به ملكاً على العراق في 11 يوليه 1921 م ، بولايتيه البصرة وبغداد في 23 أغسطس 1921 . ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى ، كانت القوات التركية لا تزال محتفظة بمنطقتَي الموصل والسليمانية ، بينما ترابط القوات البريطانية في جنوب الموصل ، وعلى أثرها تمّ توقيع معاهدةٍ للهدنة في مودروس ، بين الحلفاء والدولة العثمانية المنهزِمة ، وذلك في أول نوفمبر 1918 . وحينها انسحب القائد التركي بقواته من الموصل إلى داخل الأراضي التركية ، بموجب نصوص تلك المعاهدة ، مع أنّ الدولتين كانتا تعلمان أهمية الموصل النفطية ، لذلك سعت تركيا وبكلّ إمكاناتها للاحتفاظ بها ، وضمّها إلى دولتها الحديثة . وعلى هذا الأساس اجتمع المجلس الوطني التركي في ” الميثاق الوطني “، في 13 سبتمبر 1919 وقرّر في مادته الأولى ما يلي :

( إذا اقتضت الضرورة ، يقرّر مصير أجزاء الإمبراطورية العثمانية ، التي كانت تسكنها أكثرية عربية ، والتي كانت حين عقد الهدنة في 20 أكتوبر 1918 ، تحت احتلال القوات المعادية ، وفقاً لتصويت سكانها الحرّ . أما تلك الأجزاء ( سواء كانت داخل خط الهدنة المذكورة أو خارجه) ، التي تسكنها أكثرية عثمانية مسلمة متّحدة في الدين والجنس والهدف ، ومشرّبة بعواطف الاحترام المتبادل وبالتضحية ، وتحترم احتراماً كلياً متبادلاً الحقوق القومية والاجتماعية ، والظروف المحيطة بها ، فتؤلّف جزءاً من الوطن لا ينفصل عنه لأيّ سببٍ منطقي أو قانوني . ومع انتهاء حرب اليونان وانتصار اتاتورك فيها ، حتى أعلن بخصوص مشكلة الموصل ، بأنّ الميثاق الوطني هو الحدّ الأدنى لحقوق تركيا . فيما أعلن رئيس الوفد التركي إلى مؤتمر لوزان عام 1923 عصمت إينونو بإصرار ، على أنّ سكان الموصل هم من الترك المسلمين ، بدليل أنهم انتخبوا عنهم نوّاباً في المجلس الوطني الكبير . وأنّ معاهدة لوزان عالجت كافة الأمور بين تركيا والحلفاء ، ورسمت الحدود التركية مع جيرانها ( بلغاريا واليونان وسوريا وروسيا وأرمينيا ). إلا أنها أبقت الحدود التركية الجنوبية والجنوبية الشرقية من دون تسوية .حيث نصّت المادة الثالثة على ما يلي : “ستتمّ تسوية الحدود الفاصلة بين تركيا والعراق بطريقةٍ دولية بين الحكومتَين البريطانية والتركية ، في غضون تسعة أشهر . وإن لم تتوصّل الحكومتان إلى اتفاقٍ خلال المدة المعينة ، تحال القضية إلى مجلس عصبة الأمم .

ومع تأزّم الخلاف حول ذلك ، عقد مؤتمر في استانبول لبحث المشكلة في 19 مايو 1924 . وأعلن رئيس الوفد التركي حينها : إنّ الترك والأكراد أبناء وطنٍ واحد . وإنه من المستحيل اقتطاعهم من وطنهم ، من أجل بضعة آلاف من الأشوريين . وكرّر الحجة التركية القائلة إنّ الأكراد في ولاية الموصل ، قد ” انتخبوا عنهم نوّاباً في المجلس الوطني الكبير ، وفشل مؤتمر استانبول وعاد الطرفان التركي والبريطاني إلى مجلس عصبة الأمم . وحاول الأتراك، عام 1924 الاستيلاء على الموصل بالقوة ، ولكنهم انسحبوا منها في ذات العام . وفي 30 ديسمبر عام 1924 أحيلت مسألة الحدود إلى مجلس عصبة الأمم ، والذي قرّر بدوره وفي ذات اليوم تشكيل لجنة دولية ، من ثلاثة أعضاء للتحقيق في مشكلة الموصل ، وتقديم تقريرها حول الحدود ، وقرّرت اللجنة الذهاب إلى الموصل في يناير 1925 واجرت تحرياتٍ فيها ، وتقدّمت بتقريرها إلى مجلس عصبة الأمم . في حين اقترحت تركيا إجراء استفتاء يبيّن رغبة السكان ، إلا أنّ بريطانيا عارضت الاقتراح ، لأنّ الأمر يتعلّق بخط الحدود وليس بمنطقةٍ من المناطق . وتقدّم الجانبان بأرقام مختلفة عن القوميات القاطنة في الموصل . وعدّ الإنجليز الأكراد آريين لا رابطة لهم مع تركيا ، أما الأتراك فأعلنوا أنه لا يوجد فرق بين الأكراد والأتراك ، وأنّ الأمّتَين قد عاشتا بودٍّ جنباً إلى جنب طيلة قرون عديدة . وكانت للجنة استنتاج مختلف حيث رأوا بأنّ الكُرد ليسوا عرباً ولا ترْكاً او فرْساً وهم يختلفون ويجب تمييزهم عن الأتراك وهم بعيدون عن العرب ويختلفون عنهم أكثر “. وأكّد التقرير : وفي حالة اعتماد النواحي العنصرية وحدها أساساً للاستنتاج ، فإنها ستقودنا إلى القول بوجوب إنشاء دولة كُردية مستقلة . فالأكراد يشكّلون خمسة أثمان السكان . وإذا صار الاتجاه إلى هذا الحل فإنّ اليزيديين وهم عنصر مشابه للأكراد يجب أن يدخلوا ضمن عددهم ، فتكون نسبة الأكراد حينذاك سبعة أثمان السكان”. وهذا يعني أنّ وثائق عصبة الامم الرسمية ، تعترف بوجود الأكراد كأمةٍ مستقلة ، وكذلك بحقهم في إنشاء دولة كُردية مستقلة . وعليه فقد قرّر مجلس عصبة الأمم في 16 ديسمبر 1925 ضمّ الموصل إلى الأراضي العراقية . وقبِلت تركيا آخر الأمر بخط بروكسل ، الذي عّيّن حدودها الجنوبية بموجب القرار الصادر عن لجنة عصبة الأمم في بروكسل عام 1924. وكان هذا القرار هو فصل لكُردستان العراق عن كُردستان تركيا ، ودخول جزء من أراضي كُردستان ضمن حدود الدولة العراقية . وفي 13 يناير 1926 أبرمت الحكومتان العراقية والتركية المعاهدة التي نظّمت الحدود بينهما ، وجاء في المادة 12 من المعاهدة المذكورة ما يلي : ( على السلطات التركية والعراقية ، الامتناع عن كلّ مخابرة ذات صبغة رسمية أو سياسية مع رؤساء العشائر أو شيوخها أو غيرهم من أفرادها ، من رعايا الدول الأخرى الموجودين فعلاً في أراضيهما ، وعليها ألاّ تجيز في منطقة الحدود تشكيلات للدعاية ولا اجتماعات موجّهة ضدّ أيٍّ من الدولتَين . وبمجرد ما ان حصلت بريطانيا على امتيازاتها النفطية ، حتى فقدت كلّ اهتمامٍ بإنشاء دولة كُردية . ولم يكن في نية البريطانيين حسم القضية الكُردية ، بل أرادوا إبقائها ورقة ضغطٍ في أيديهم ، للضغط على الحكومات العراقية .

ثانياً: الثورات الكُردية في العراق ضدّ الإنكليز حتى 1930 :

اندلعت عدة ثورات كُردية ضد الدولة العراقية الناشئة ، وكانت أسبابها مزيجاً من الشعور الوطني والشكاوى المحلية ، وتسبّبها حكومات موجَّهة توجيهاً خاطئاً لا تأبه مطلقاً للاستجابة إلى مطالب الأكراد القومية . تلك المطالب التي ابتدأت كبيرة ، مالبثت بمرور الزمن أن اقتصرت على استخدام اللغة الكُردية في المدارس والدوائر الحكومية . ونظراً لتراكم مظلوميات كبيرة ، وتقصّد في حرمان الكُرد من ابسط حقوقهم ، اندلعت ثورة الشيخ محمود الحفيد البرزنجي ، الذي ينتمي في الأصل إلى أُسرةٍ مشهورة في السليمانية ، وأدّى دوراً خطيراً في تاريخ العراق ، في سنوات الحرب العالمية الأولى وما بعدها ( 1917 – 1930 ) . ونظرا لمكانة الشيخ الدينية وسطوته وجبروته اللتين اشاعتا الرعب بين الأكراد في السليمانية . وساعده العثمانيون بدعمٍ مالي لإزعاج الإنجليز في الشمال العراقي عام 1918. وحينما وقعت الدولة العثمانية اتفاقية الهدنة ، في (موندروس) سلمته لواء السليمانية ليحكمها باسمها وبقي الفوج العثماني المرابط هناك تحت إمرته وفي تصرفه . ولكنّ الشيخ البرزنجي تنكّر للترك واتّجه إلى الإنجليز وطلب منهم ألاّ يستثنوا كُردستان الجنوبية من قائمة الأقوام المحرّرة . وسلّم إليهم لواء السليمانية في نوفمبر 1918 ، وسلّمهم أيضاً جنود الفوج العثماني وضبّاطه أسرى وكافأه الإنجليز على ذلك بتعيينه حاكماً ( حكمدار ) في لواء السليمانية . وعيّنت إنجلترا الرائد نوئيل ( Noel ) والرائد دانليس مستشارَين له . وفي ديسمبر 1918 اجتمع الحاكن البريطاني بالشيخ محمود وزعماء القبائل الكُردية في لواء السليمانية . ووجد أنهم غير متفقين على نوع الحكم الذي ينشدونه للمنطقة الكُردية فقد أعرب فريق منهم عن رغبته في حكومة كُردية مستقلة. وطالب فريق آخر بإلحاق منطقتهم بالعراق. كما وجد أنّ بعض الأكراد غير راغبين في حكومةٍ يرأسها الشيخ محمود الحفيد . ومع ذلك بقي الشيخ البرزنجي يحكم لواء السليمانية بوصفه ممثلاً للحكومة البريطانية . وتوسّع نفوذه وأخذ يتصل بالحركة المناوئة للبريطانيين في شرناخ بكُردستان تركيا . وبدا للإنجليز ضرورة التخلص منه ، وفي منتصف مارس 1919 عيِّن الميجور سون حاكماً سياسياً في السليمانية لتقليص نفوذ الشيخ محمود وإرجاعه إلى الوضع الذي يتلاءم مع مؤهلاته ، ورداً على ذلك بادر الشيخ محمود في 20 مايو 1919 إلى انقلابٍ في السليمانية ، بوساطة فرقة عسكرية كُردية تسمّى “الشبانة”، تسانده القبائل الكُردية في إيران، مثل الهورامان ومريوان. واعتقل الضباط الإنجليز في بيوتهم ، وتولّى السلطة المطلقة ، وقطع الخطوط السلكية مع كركوك . كما استولى على قافلة تحمل مالاً وأسلحة كانت متجهة من كفري إلى السليمانية ، واستولى على حلبجة في 26 مايو 1919. ولكنّ البريطانيين سيّروا إليه حملةً عسكرية في 19 يونيه 1919 ، وأحاطت بالشيخ وقواته في دربندِ بازيان قرب السليمانية ، وتمكّنت من أسره وهو جريح مع جماعةٍ من أتباعه ، وأرسلتهم إلى بغداد . وتقدّمت القوة البريطانية حتى دخلت السليمانية ، من دون قتالٍ وحُكِم على الشيخ البرزنجي بالإعدام ، ثم خفّّفَ الحكم، من قِبل القائد البريطاني إلى السجن عشر سنوات ، والنفي إلى الهند ، وأخذ الحاكم البريطاني العام في العراق ينفّذ لائحة الانتداب البريطاني على العراق ، بإيجاد وضعٍ خاص للأكراد ، يتيح لهم التطلع إلى حكم ذاتي قبْل أن يجري استفتاء الشعب العراقي في إقامة حكومةٍ وطنية مركزية في العراق يرأسها الملك فيصل بن الحسين . حيث نصّت المادة السادسة عشرة من اللائحة المذكورة ، على أنه “لا يوجد في هذا الانتداب ما يمنع المنتدَب من تأسيس حكومةٍ مستقلة إدارياً في المقاطعات الكُردية كما يلوّح له”.

وحينما نُظّم استفتاءٌ للشعب العراقي ، عام 1921 في تنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكاً على العراق رفض الأكراد في لواء السليمانية، الاشتراك في الاستفتاء ، وأعلن الشيخ قادر شقيق الشيخ محمود المنفي مطالبته بحكمٍ ذاتي مستقل ورفض فكرة الانضمام إلى العراق . ولتدخل تركيا على هذا الخط للضغط على بريطانيا في مسألة الموصل التي لم تكن قد حلّت بعد ، فحشدت قواتها العسكرية وعزّزتها بقواتٍ غير نظامية ، وعلى أثر الاشتباك المسلح بين الإنجليز وقوات الشيخ القادر ، تقدّمت القوات التركية داخل الحدود العراقية والتقت مع القوات الكُردية ، في منطقة “بشدر”، الواقعة شمال السيلمانية واحتلّ الأتراك كوي سنجق ، وهدّدوا مدينة عقرة واندفعوا في اتجاه العمادية ، ولكن سرعان ما تقدّمت القوات البريطانية وطردت القوات التركية.

وليعود الإنكليز من جديدٍ للإستعانة بصديقهم المنفي إلى الهند الشيخ محمود . فسمحوا له بالعودة في 14 سبتمبر 1922 الى السليمانية ، واختاره الإنجليز رئيساً للمجلس المحلي المنتخب، ثم حاكماً عاماً .

وبدأ الشيخ ينظّم قواته، ويوسع نفوذه في لواء السليمانية، بقسوةٍ بالغة. وأخذ يتجه صوب كركوك، مهدّداً باحتلالها وضمّها إلى حكومته . ودعمته بريطانيا للضغط على فيصل لتوقيع المعاهدة العراقية – البريطانية الأولى، التي وقّعت، فعلاً، في 12 أكتوبر 1922.وما لبث أن أعلن الشيخ البرزنجي نفسه “ملكاً” على كُردستان، في نوفمبر 1922، بعد أن تبيّن له أنّ الإنجليز سوف يتخلّون عنه، بعد ما استنفدوا أغراضهم منه.

وسلطت عليه بريطانيا حملة عسكرية احتلّت السليمانية، في 4 مارس 1923 ، ولكنه تمكّن من استعادتها منهم في 11 يونيه 1923. وحينما خليت معاهدة لوزان في يوليه 1923، من فكرة منح حق تقرير المصير للأكراد التي كانت واردة في معاهدة سيفر – وأصدرت الحكومة العراقية بياناً بضغطٍ من البريطانيين تعترف فيه بحق الأكراد القاطنين ضمن حدود العراق في تأسيس حكومةٍ كٌردية ضمن حدود العراق ، الا أنّ الاكراد لم يهتمّوا بذلك البيان، وسرعان ما تبيَّن أنّ الحكومة البريطانية لم تكن أيضا جادة في ضغوطها ، إذ ضمّت السليمانية إلى العراق واستعيض ببيانٍ لمجلس الوزراء العراقي ، في 11 يوليه 1923 يبدي فيه نيّاته الحسنة تجاه الأكراد. وجاء فيه:

أ. إنّ الحكومة العراقية لا تنوي تعيين موظفين عراقيين في الأقضية الكُردية عدا الموظفين الفنيين.

ب. إنّ الحكومة العراقية لا تنوي إجبار سكان الأقضية على استعمال اللغة العربية في مراسلاتهم الرسمية.

ج. إنّ حقوق السكان والطوائف الدينية والمدنية في الأقضية المذكورة ستؤمّن تأميناً صحيحاً .

ورافق هذا البيان حشود عسكرية عراقية للقضاء على حكم الشيخ محمود ، حيث تمكّن الجيش العراقي من احتلال السليمانية في 19 يوليه 1924 ، لكنّ الشيخ البرزنجي أجبر الجيش العراقي على التخلي عن المدينة ، فوجّهت عليه حملةً عسكرية أخرى استطاعت أن تقضي على نفوذه ، وعلى أتباعه وتجبره على الانسحاب إلى الجبال . وعيّنت الحكومة العراقية أحد الأكراد متصرّفاً للواء السليمانية تابعاً للحكومة المركزية . واستتبّ الأمن وقتياً في تلك المنطقة .

وأعلن الشيخ محمود انطلاقاً من شرقي السليمانية حرباً للعصابات في اللواء ، وفي أكتوبر 1926 عقد اتفاقاً مع الحكومة العراقية على أن يغادر بموجبه العراق مع أُسرته ، وأن يمتنع عن التدخل في الشؤون السياسية مقابل ردّ أملاكه إليه واتخذ إيران مقاماً .

وفي عام 1930 كان مقرراً أن تجرى انتخابات ، ولكن أهل السليمانية رفضوا الاشتراك فيها، واندلعت مظاهرات حاشدة، في 6 سبتمبر 1930، فوقعت اصطدامات بين الأهالي والشرطة والجيش، فقتل 45 شخصاً، وجرح 200 شخص.

وهكذا، عادت الأحداث الدموية إلى المنطقة، ومن جديد تسلّل الشيخ محمود من إيران، في خريف 1930، إلى حدود لواء السليمانية، وأعلن الثورة، وقدّم طلباً إلى المندوب السامي البريطاني في بغداد، بأن تترك الحكومة العراقية جميع منطقة كُردستان، ما بين خانقين وزاخو، وتتولّى حكومة كُردية، تكون تحت انتداب الإنجليز، ريثما تُصدر عصبة الأمم قرارها الأخير، في شأن استقلال العراق.

ووجّهت الحكومة العراقية حملة عسكرية، للقضاء على الثورة. واستمرّت في قتالٍ مع قوات الشيخ محمود، حتى مارس 1931. وانتهت بأن سلّم الشيخ محمود نفسه للحكومة، في 13 مايو 1931. وفرضت عليه الإقامة الجبرية في المناطق الجنوبية، وظلّ مقيماً بها، حتى نشوب الثورة، عام 1941، فتركت له حكومة رشيد عالي الكيلاني حرية الإقامة بالمكان الذي يريد، فاختار العودة إلى السليمانية . وبذلك انتهت ثورات الشيخ محمود ، التي استمرّت من عام 1918 حتى عام 1931، لتبدأ شخصية كُردية أخرى الثورة ومن جديدٍ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى