آراء

٢٤ حزيران: ذكرى “الحزام العربي” في ميزان العدالة الانتقالية في سوريا

فــرحان مــرعي

في الرابع والعشرين من حزيران من كل عام، يستحضر آلاف الكُرد السوريين، وخصوصاً في شمال شرق البلاد، المناطق الكُردية أو ما يطلق عليه كَردستان سوريا ، ذكرى بدء تنفيذ مشروع “الحزام العربي” عام ١٩٧٤. لم يكن هذا المشروع مجرد إجراء إداري أو زراعي عابر، بل كان سياسة منهجية لتغيير التركيبة السكانية في محافظة الحسكة، طالت ملكية الأراضي، وهوية السكان، وذاكرة المكان بأسره.

اليوم، ومع دخول سوريا في مرحلة ما بعد الصراع، تبرز ضرورة وضع هذه السياسة القديمة-الجديدة تحت مجهر العدالة الانتقالية، لا للانتقام، بل لوضع الأسس الحقيقية لمصالحة وطنية لا قائمة على النسيان، بل على الاعتراف ومعالجة الجذور.

ما الذي جرى في صيف ١٩٧٤؟

صدر القرار رقم (٥٢١) عن القيادة القطرية لحزب البعث، وقضى بمصادرة “شريط” من الأراضي الزراعية الخصبة يمتد بطول ٢٧٥ كيلومتراً على الحدود السورية-التركية، وعمق يصل إلى ١٥ كيلومتراً. كانت هذه الأراضي مملوكة لسكانها الكَرد الأصليين ، فتمت مصادرتها، وتوطين آلاف العائلات العربية مكانهم – معظمهم من “المغمورين” الذين غمرت قراهم بسبب بحيرة سد الفرات من محافظتي الرقة وحلب ، الهدف غير المعلن كان “تعريب الحزام” وفصل الكَرد عن امتدادهم عبر الحدود.

والنتيجة المباشرة: تهجير قسري لآلاف العائلات الكُردية، وتغيير ديموغرافي جذري في الريف الكُردي ، وجرّد العديد من السكان الأصليين من حقوق ملكيتهم، بل ومن جنسيتهم أيضاً.

بعد سقوط النظام البعثي العنصري يطرح بجدية مفهوم العدالة الإنتقالية، كمفهوم عام وشامل، لا تعني فقط محاكمة المجرمين من النظام السابق الذين عاثوا فسادا وقتلا في الشعب السوري، فالعدالة الانتقالية ليست محاكمات فقط، وإنما هي إطار متكامل يشمل:

  1. كشف الحقيقة – توثيق ما جرى في الحزام العربي بوصفه انتهاكاً تاريخياً للحقوق الجماعية.
  2. الاعتراف بالضحايا – منح الضحايا والمجتمعات المتضررة سواءً كانوا (كُرد، آشوريين، سريان) مكانة رسمية في السردية الوطنية.
  3. الجبر والتعويضات – سواء عبر إعادة الأراضي المصادرة حيثما أمكن، أو تعويض عادل، أو دعم مجتمعي للبنى التحتية والخدمات في المناطق المتضررة.
  4. ضمانات عدم التكرار – إصلاح سياسات ، وقوانين الملكية، والجنسية، بحيث لا تُستخدم التغيير الديمغرافي كسلاح سياسي مجددا.

العلاقات الزراعية في سوريا من أعقد الملفات، لقد لعب النظام السابق باسم الإصلاح الزراعي والشعارات الاشتراكية الشعبوية بهذا القطاع، لمنع الاستقرار وزعزعة  ارتباط الإنسان بالأرض.

بعد عقود من الحرب والتهجير، تغيرت الأراضي ملكياتها عدة مرات. فإعادة هذه الحقوق لأصحابها تحتاج إلى سجلات دقيقة وآليات قضائية محايدة.

إن فتح هذا الصندوق، يكشف عن فظائع أخرى، البعض يخشى أن المطالبة بالعدالة في “الحزام العربي” قد تفتح الباب أمام مئات الملفات المماثلة مثل قوانين التأميم والإستيلاء على عقارات المواطنين تحت شعارات الاشتراكية الشعبوية، وهذا الخوف وجيه، لكن العدالة الانتقالية تتعامل مع كل ملف بقواعده، الهدف هو التسوية لا الثأر والاستغلال السياسي،

هذا يتعارض مع روح العدالة الانتقالية التي تسعى للمصالحة، لا للتقسيم.

لا بدّ من خطوات عملية في المرحلة الإنتقالية لمعالجة هذا الموضوع :

  1. إدراج “الحزام العربي” في جدول أعمال اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية عند تشكيلها، كحالة دراسية عن التهجير الداخلي القسري وتغيير التركيبة السكانية.
  2. إنشاء أرشيف رقمي تفاعلي لشهادات الشهود والوثائق، بالتعاون مع المجتمع المدني والمنظمات المتخصصة.
  3. برامج مصالحة مجتمعية بين المجتمعات الكردية والعربية في الحسكة، تستند إلى حوارات محلية تعترف بالألم المشترك.
  4. إصلاح قانوني : مراجعة القوانين التمييزية (كقانون الجنسية السورية لعام ١٩٦٢، وقوانين المصادرة الزراعية) وإلغاء المواد التي سمحت بمثل هذه السياسات.

الخلاصة: الذكرى ليست للبكاء وحدها

24 حزيران ليس مجرد تاريخ لتذكر مظلمة قديمة، بل هو مناسبة لأن نقول: سوريا الجديدة لن تُبنى على أرض لم تجف فيها دماء الذاكرة. العدالة الانتقالية الجادة لا تخفي جراح الماضي في زنازين النسيان، بل تستدعيها إلى نور القانون والحوار الوطني. إذا استطعنا أن ننظر إلى مشروع “الحزام العربي” بوصفه درساً في كيفية تدمير مجتمع عبر التخطيط السكاني، فسنستطيع أيضاً أن نصمم سياسات عكسية: إعادة بناء الثقة عبر الاعتراف، والتعويض، وضمان “سوريا لكل السوريين” على أرض الواقع، وليس في الشعارات فقط.

في هذه الذكرى، نستذكر ضحايا السياسات الأمس، ونعمل من أجل أن تكون سياسات الغد قائمة على الكرامة والمواطنة المتساوية.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “٣٤٥”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى