آراء

الرواية كفنٍ ومراحل تطورها

إعداد جيار كوران وليد
القسم الثاني

في بداية هذا القسم وكاستكمالٍ لما استعرضناه في العدد السابق حول الرواية ، وبالتالي كاستخلاص لما يمكن ، وكتوصيف باعتباره ( الأطروحة المركزية ) لما حدّده أو عدّها الكاتب كولن ولسون في كتابه البحثي الهام وبعنوانه شبه الشمولي ( فن الرواية ) ، هذا الكتاب الذي غطّى بشمولية وبمهنية عالية كلّ ما يتعلّق الأمر بصنعة الرواية ، حيث وبقليلٍ من التبصر والتأني ،حين القراءة ، يمكن للقارئ استيعاب أهدافها ودوافعها الرئيسة التي – تستحق قدراً عظيماً من الموهبة غير المنضبة ١ من جهة كما واستخلاصات هامة تتماس مع جوهر طروحات ولسون وعصارتها من جهة أخرى ، وباختصار لما ورد أعلاه، يمكننا تحديد النقاط الأهم فيمايلي :

١إنّ هدف الرواية هو تقديم وعي متسع الزاوية عكس الوعي اليومي الضيق والمحدود ، حيث أنّ الرواية واحدة من أكبر التعويضات الممتعة التي ابتكرها الإنسان حتى الآن .
٢الرواية هي في الواقع معادل للتجربة ، ولمعظمنا رغبة في تجربة ذات مدى أوسع مما نستوعبه، وبالتالي تستطيع حياتنا الواقعية أن تقدّمه للرواية إلى حد ما .
٣إنّ الرواية هي في الأصل نمط من أنماط التجربة الفكرية، وهدفها الرئيس هو ذات هدف التجارب الفكرية للفلاسفة التي تبتغي، وكغاية، أن تعلّمنا شيئاً ما عن العالم الواقعي ولكن بأسلوب وطريقة غير اعتيادية .
٤وهنا وكهدف أرقى مثالياً سنلاحظ أن هدف الرواية هو ليس في تقديم وعي متسع الزاوية بقدر ماهو المطلوب التأسيس ذلك الوعي المركز ذي الأبعاد الثلاثية ! بل وإدراك التعقيد الهائل والمثير للعام
٥وهنا علينا إدراك أمر حيوي لا بل والتأكيد الجازم على أنّ الروايات الفاشلة هي أيضاً تجارب فكرية متعوبة عليها كثيراً، ولكنها أخفقت في الظهور بالشكل الصحيح المراد لها كما أية عملية حسابية لم تأت بنتيجة صحيحة ، أو كتجربة مخبرية ارتكب صاحبها أثناء التطبيق خطأ كبيراً .

٦وفي هذه النقطة علينا أن ندرك بأنّ غاية جميع التجارب الفكرية هي سبر أغوار الحرية البشرية ٢ . وعند هذه النقطة لابدّ من التأكيد على مسألة حيوية سواءً في التعريف أو توصيف الٱليات المحددة التي سنبني عليها ألأسس التي تجعلنا نحدّد الرواية الناجحة، وبالتالي تلك التي تبني التوتر ومن ثم تؤسّس للانطلاق كما الرعد ، كما الميلودراما الفكتورية أو أفلام هوليود المبكرة التي تبدأ بأحد الأوغاد وهو يخطط لارتكاب عمل إجرامي ويولد الرغبة عند الجمهور لينال جزاءه ٣ . وعليه ستمكّننا حيثيات الرواية من الملاحظة على أنّ جوهر مشكلة رواية القرن العشرين تكمن في أنّ الروائي لا يستطيع إسقاط سوى صورة ذاتية واضحة هذا إن كان عرف وبوضوح نسبي ما يريده ٤ … وعليه فإنّ هناك احتمالية واردة بأنّ كلّ من يجلس ليكتب رواية الروايات في القرن العشرين بأنه لا توجد لديه أية فكرة عما يريده .. ومع هذا ولمجرد أن حاول ملامسة طبقات الشك مما يراه هو فستوصله إلى يقين أساس … إنّ البشر يمتلكون غريزة غريبة مفادها أنّ قوى العقل أوسع مما نفترضه عادة ، وكلّ كاتب جاد لابدّ من أنه قد مرّ بتجربة هذا الشعور : الكتابة عن مشكلة تؤرّقه فيجرّب وبشكل مفاجئ اندفاع القوة والشعور ( بالانفصال وكأنه قد تحوّل إلى منطاد وتخلص من المشكلة .. ) .

إنّ الضرورة الأساسية للكاتب والتي يفترض به أن يكون مدركاً لما يحاول القيام به وهو ( إحداث واحدة من المرايا التي يستطيع من خلالها رؤية وجهه، وحالما يتمّ ذلك فإنّ المشكلة تكون قد تمّ حلها حلاً نصفياً .. ) ٥ . إنّ حلم اليقظة هو الأساس الصحيح للآداب كافة ، وهذه الحقيقة نعرفها جمبعنا بالغريزة بالرغم من إمكانية أن يتوه فيها حتى رفيعي الثقافة طريقهم ، مثل الطبيعة والواقعية والإشتراكية و ( التحليل النفساني والتجربة اللغوية وهي من متممات البراعة الروائية ولكنها ليست مادتها أو جوهرها .. ) .. والدافع الرئيسي للرواية هو ضرورة إحداث واقع مرغوب فيه ، وبمعنى أوضح إسقاط صورة للحياة التي تهوى أن تعيشها .. وكذلك نمط الإنسان الذي ترغب أن تكون )

٦إنّ سر القوة الكامنة هنا والتي هي في قلب العقل البشري والواقع هو ليس ما يحدث .. بل هو ماندركه في لحظات الجهد العظيمة ، ومن الطبيعي أنّ القوة الغريبة للخيال تساعدنا للتشبث بالرؤيا بعد زوال الجهد ٧ .. وفي تركيز واختزال شديدين وفي العودة إلى المتسلسلة إلى تاريخ الأدب سنلاحظ بأنّ المستوى الأساس بقي غائباً، لأنّ الرجال لايبدعون في الأدب عندما يكونون بحاجة للطعام ، مع أنّ معظم الملاحم الكبرى والمبكرة منها بدءاً من الإلياذة وحتى الملاحم الآيسلندية تدور حول الحروب والمعارك ( والصراع من أجل الأرض ، وفي حوالي القرن ١٤ عكس الشعراء التروبادور مثال – الأنثى الخالدة – والتي هي تجسيد للمرأة الكاملة التي يخوض الفارس من أجلها المعارك )

٨ .وبعد هذه السريالية والمرحلة التالية في تطور الرواية والتي يمكن توصيفها بمرحلة تحقيق الذات، والتي لن تكون مهمة بقدر كونها قد أصبحت راسخة رسوخاً متزايداً ٩ ، ولكن ؟ وهنا كمقاربة تشابهية يجوز لنا التساؤل ؟ ماهو السبب الذي يجعل الرجل يريد امتلاك فتاة غريبة مثلاً ؟! ، مع أنّ ذلك يولد لديه الإحساس بالنصر ! .. وهنا ندرك ماهية المقولة التالية : إنّ الحياة البشرية هي صراع بين شعورين متضادين ، شعور بالسلطة والرغد وشعور بالطوارئ وحالات اليأس وعقد ضحايا الظروف ، فنرى حينها كيف أنّ الرجال الأصحاء يمتلكون ميزان الثقة بالرفاهية ، كما وتحكمهم بمصيرهم ، عكس العصاميين الذين لايذوقون طعم السعادة ولا يتمكّنون من الهرب أصلاً كما ذوي الاحتياجات الخاصة ١٠ .
إنّ تحقيق الرغبة يعتبر ( .. الأساس الصحيح لكل الإبداع على الرغم من النظر إلى ذلك باحتقار ، حيث أنّ معظم الروايات الأكثر نجاحاً في القرن العشرين تحتوي تقريباً على عنصر قوي من عناصر تحقيق الرغبة ، وينطبق الأمر هذا بدرجة متساوية على الأعمال الأكثر رواجاً والأعمال الجادة أيضاً ١١ .

وهنا لابدّ لنا من التأكيد على حقيقة هامة وراسخة تتلخّص في ( .. أن واقعيتنا هي عادة شكل خفي من أشكال الرومانسية ) ١٢ ، وعليه يمكننا الجزم بأنّ من أولى المهام أمام الروائيين في مرحلة ما بعد العصر الفيكتوري هو التخلص من الأسلوب الفيكتوري نفسه وذلك ،( بتطوير أسلوب أكثر مرونة من شأنه أن يقول بالضبط ما يعنيه وليس أكثر من ذلك . أما الرواية الفيكتورية فقد كانت تميل إلى البدء بعبارة مثقلة ) ١٣ . وفي الواقع فإنّ الرواية لم تكن مطلقاً سوى فيلم من نوع ما واللغة أشبه فيها كآلة تصوير .. ١٤ وهنا علينا التذكير بما ينتاب الفرد من شعور بأنه عندما ( .. تصبح الرغبة من أجل الحصول على الإعجاب والشهرة وإحترام الذات حادة كهذه ، فإنّ المؤلف يأخذ بالسير نحو الجنون .. ) ١٤ ، وكذلك أهمية التساوي القيمي بين اللغة والموضوع وعقدة غلبة أحدهما أو استحواذها على الأخرى .

إنّ الأفكار هي نتاج النشاط العقلي للإنسان عندما يواجه المشاكل ويميل هو بالأفكار حتى يبدو متفائلاً؛ لأنّ من شأن الإنسان / الفرد ألا يقلق بالتفكير مالم يأمل في حل المشكلة ، والكاتب الذي يجهر بأنّ الأفكار عديمة الأهمية يكون قد ألزم نفسه بموقف التشاؤم ولم يقم بأي فعل سوى تعميق نزعة التشاؤم الذي خيم على الرواية ١٥ ، بقدر ما أوحى وبكلّ وضوح إلى الفكرة الأساس والتي تقول بأنّ ( .. هدف الكاتب المركزي ليس ببساطة اكتشاف مايريد أن يكون ! بل إلى أين يريد التوجه ) ١٦ حيث أنّ جميع الروايات هي قبل كلّ شيء تجارب فكرية في الاساس ) ١٧ .

وباختصار يمكننا القول بأنّ الرواية التجريبية ليست سوى نموذجاً مغامراً من نماذج الرواية ، لابل أنها ببساطة ( .. رواية تدور حول – اللانتماء – والعجز في العثور على صورة للذات أو الهدف وما أن يعثر الكاتب – أي كاتب – على صورة أو هدف للذات ! حتى يتوقّف عن كتابة الروايات ( .. التجريبية ) وسنختصر في هذا العرض ونوجز في خاصية الشكل الأسمى لأية كتابة في الروايات التجريبية هو التوتر ومن ثم محاولات التحرر منها ، وفي حالة الصراع هذه لابدّ لها أن تحتكم إلينا ، والذي هو في الواقع احتكام لغرائزنا التواقة للحرية ، ويمكننا أن نستلخص وبتكثيف شديد على أنّ معظم الروايات التجريبية تفشل في إكمال دورة التوتر والتحرر وذلك لسبب بسيط وهو أنّ غالبيتها روايات متشائمة تشاؤماً سوداوياً ..
وباختصار فإنّ الرواية التجريبية هي تجربة فكرية غير ناجحة .. ١٨
…………

هوامش :
* الهوامش :
* ١كتاب فن الرواية – كولن ولسون ترجمة محمد درويش – الدار العربية / ناشرون – مؤسسة محمد بن راشد ٱل مكتوم .
* ٢الصفحة ٩١ – ٩٢ من المصدر السابق

* ٣الصفحة ٩٣ من ذات المصدر

* ٤الصفحة ١٠٣ ذات المصدر

* ٥الصفحة ١٠٤ ذات المصدر

* ٦الصفحة ١١٢ المصدر ذاته

* – ٧الصفحة ١١٤ من المصدر ذاته

* ٨الصفحة ١١٥ من ذات المصدر

* – ٩الصفحة ١١٥ ذات المصدر

* ١٠المصدر السابق صفحة ١٢٢/ ١٢٣

* ١١الصفحة ١٢٤ ذات المصدر

* ١٢ذات المصدر الصفحة ١٢٥

* ١٣ذات المصدر صفحة ١٢٧

* ١٤ذات المصدر صفحة ١٣٣

* ١٥ذات المصدر صفحة ١٤٠

* ١٦ذات المصدر صفحة ١٤٢

* ١٧المصدر نفسه صفحة ١٤٤

* ١٨المصدر نفسه صفحة ١٤٩

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “320

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى