آراء

سعيد آغا جزيري ـ 1910 /1957م واحد من عمالقة الأغنية الكُردية في القرن الماضي

وليد حاج عبد القادر

مع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بدأ العدّ العكسي لأفول نجم السلطنة العثمانية وبدأت حركات الشعوب المنضوية تحت نيرها وهي تشتعل مطالبةً بالاستقلال، مع بروز اتجاهات طورانية تركية تطالب بالتغيير في وقتٍ كان فيه العالم كلّه يمرّ بمنعطفٍ أدّت أزماته أو بشكلٍ أدقّ مهّدت للحرب الكونية الأولى …في هذه السنوات وفي مدينة كُرديةٍ عريقة بتراثها وفولكلورها …المدينة التي قاد منها البرخانيون شعلات انتفاضاتهم القومية .. ومن مدارسها انطلق أبناء الأثير الجزريون ومدارسها التي علّم فيها ابن خلكان ..والتي أبدع فيها ملايي جزيري ـ والأصحّ سيدايي عشق و أفيني ـ أروع قصائده الشعرية ….. وكانت مرتعاً لخاني الخالد ومرقد مم وزين ولم تسلم من ابداعات ـ باتي ـ وـ ماجن ـ و ـ سيابوش ـ ولن ننسى ـ فقي طيرا ـ …هذه المدينة التي لما تكن قد لملمت جراحاتها والبدرخانيين بعد ومن ثم تشتتهم ـ البدرخانيون ـ في أرجاء المعمورة ..هذه المدينة التي ظلّت ولفترةٍ طويلة ـ ولم تزل ـ شعلة للنضال القومي الكُردي … نعم إنها ـ جزيرا بوطان ـ … تلك الملهمة عشقاً وروحاً وطنية ملتهبة ..والتي أضحت محجة للفن والتراث الكُردي ..ومرتعاً خصباً لتأريخ صيرورة هذا الشعب بآماله وآلامه ..ولد المغني الكُردي سعيد آغا الجزيري الذي شغل الكُرد ـ فعلاً ـ بصوته وملأه بأخباره وأسفاره ومصائبه المتلاحقة لردحٍ طويل من الزمن .. واحتراماً مني ـ شخصياً ـ لسيرته الذاتية وما أبدعه في غنائه من جهة .. وحياته العملية كفنّان ومقاوم ايضاً للاستعمار الفرنسي .. وللعلاقة العائلية التي جمعتنا وعائلة ابنه المرحوم حاج محمد أمين سعيدي حمو يي جزيري فقد استخلصتُ هذه السيرة الذاتية عنه من ابنه اوائل التسعينات كوعدٍ مني له لنشرها إلا أنّ ظروف الاعتقال وأسباب كثيرة حالت بعدها على عدم نشرها ..وارتأيت مؤخراً ضمّها إلى أحداث رواية ـ ديركا حمكو ـ ضمن سياقها الزمني ـ وبحرفيتها وأمانتها ايضاً ..وكلّ هذا لا يمنعني من نشرها مستقلة أيضاً … فمَن هو سعيد آغا وكيف انطلق في الغناء ؟؟ ..

مولده ونشأته :

هو سعيد بن محمد بن صالح بن سليمان الجزيري لقب فيما بعد ب سعيد آغا الجزيري .. ولد في بوطان حوالي العام 1910 ويُقال بأنه ولد قبل هطول الثلج الأحمر بسنة تقريباً … عاش طفولته وقسماً من شبابه في ربوع جزيرة بوطان ..لم يتلقَّ أية علوم أو ثقافة غنائية … ولخصوصية بوطان وطبيعتها الجملية الخلّابة كان الشباب يخرجون على شكل مجموعات إلى المرابع والحدائق المحيطة بالمدينة هذا يحمل دفاً وذاك طبلاً أو أية آلة موسيقية، فيصدح كلٌّ ما في جعبته من الأغاني .. وفي الرحلات المتعددة تميّز بين خلّانه بالصوت الجهوري الطيب والأداء المميّز وأخذ يرتاد الأعراس والمضافات خلسةً، حيث يغنّي ويؤدّي المقامات البوطانية .. ونظراً للوضع الاجتماعي السائد لم يكن الأهل ليسمحوا لأولادهم باحتراف الغناء ، وما لبث الخبر حتى وصل الى مسامع أبيه فدعاه إلى البيت وهدّده بعصاه التي كانت بيده قائلاً : اسمعني الآن فوالله لو كان صوتك جميلاً وأداؤك سليماً سأسمح لك بالغناء .. وإلا فوالله سأمنعك بحدّ هذه العصا … وهنا تملّكته الحيرة والخوف … حيرة وخجل من الغناء أمام الأب وخوف من الفشل ومعناه العقاب والمنع من الغناء أبداً ولكن لا بدّ من خوض الامتحان .. فأصدح يغنّي / احمدي ما لا موسي / .. وغنّى بعدها أربع أغاني متتالية وبين كلّ مقطع وآخر كان الأب يترنّم مع ولده بإعجاب … وعندما انتهى قال له والده : .. إنّ صوتك جميل وأداؤك رائع وحرام أن تحبس هذه الموهبة فانطلق وغنّ أينما شئت ….

في تلك الفترة ذاع صيته في منطقة بوطان واعتُبر من المؤدّين المميّزين للغناء الكُردي .. تزوّج من فتاة جزيرية اسمها ـ عدلي أو عدولي ـ .. استُدعي للخدمة في الجيش التركي فآثر مع مجموعة من أصحابه الفرار من تركيا وتوجّهوا إلى العراق حيث استقرّوا في بغداد، واخذ يبيع الشلغم / الشمندر السكري المسلوق / على عربية حيث كان يؤمّن مصروفه اليومي … تعرّف هناك على بعضٍ من الكُرد المحليين، وبدأ يغنّي في الليالي مدعواً إلى بيوتهم وعن طريقهم تعرّف الى مسجّل للأعاني، حيث سجّل له عدة اسطوانات لتنتشر أغانيه هناك أيضاً … وفي بغداد هدّه الحنين والشوق لزوجته؛ فغنّى الأغنية المشهورة ولتدمغ بطابعه واحساسه / أري .. أو .. هه ري عدولي .. / وبدأ يستعدّ للعودة إلى بوطان إلا أنّ الأخبار وصلته عن موقف السلطات التركية منه، وأنّ إعدامه لا مفرّ منه لذا آثر الذهاب الى / سوريا / المستعمرة من قبل الفرنسيين ،واستقرّ الوضع به في ديريك التي كانت قد بدأت تعمّر حديثاً … احتار بدايةً ماذا سيعمل ليكسب رزقه خصوصاً وقد نوي أن يستقدم زوجته وأطفاله من بوطان … في ذلك الوقت فتحت فرنسا باب التطوع للسكان المحليين للتطوع في ـ الجندرمة ـ الدرك المحلي فتطوّع فيها واستقرّ في قرية / كري كرا / لمدة أربع سنواتٍ توفّيت خلالها زوجته عدولي وبقي الأطفال لوحدهم فاستقدم حماته الغنية من بوطان التي آثرت بدورها البقاء عند أحفادها …. وفي إحدى الليالي قدم لصٌّ إلى داره للسرقة فاستيقظت العجوز على حركاته داخل المنزل فصاحت باللصّ الذي ابتعد قليلاً ولكنه عاد بعد قليلٍ لتصيح فيه من جديد ويبدو أنّ اللصّ قد زال عنه الخوف ومع إصرار العجوز على الصياح هرب من جديد، وهنا أيقظت سعيد وأخبرته على وجود لصٍّ في الدار، فأخذ بندقيته الفرنسية وكمن للصِّ الذي عاد من جديد فأطلق عليه سعيد النار وقتله .. وتوجّه سعيد إلى الضابط الفرنسي وشرح له الوضع فطلب منه الضابط أن يدفن القتيل … و … أخذ أولاده للسكن في ديريك … ولكن من أين له البيت فلا مساكن للأجرة … إذن ما العمل ؟ .. قالت له حماته إنها ستشتري من مالها أرضاً وستبنيه شريطة أن يسجّل هذا العقار باسم أحفادها فقط … رضي سعيد بذلك … وفي تلك الفترة كانت ديريك قد بدأت تخطو خطواتها لتصبح بلدة فكثرت فيها المحلات التجارية ، وكونها أضحت في بقعة مهمة حيث المثلث الحدودي والذي أفرزته اتفاق سايكس بيكو ودول ما سمي ب / سوريا والعراق وتركيا / فقد قام سعيد آغا ببناء عدة محلات تجارية وفرن * في أرضه وبدأت أحواله تتحسّن يوماً بعد يومٍ، وعندما شعر بعدم حاجته إلى الوظيفة استقال من الجندرمة وتزوّج من ديريك وأنجبت له زوجته الجديدة سبعة أولاد لم يبق منهم أحياء سوى ابنة واحدة …. ورغم مشاغله الكثيرة لم يترك الغناء … وفي يومٍ مشهود له في ديريك روى شهود عيان كثيرون بأنه قدم في أحد الأيام جنرال فرنسي إلى ديريك وقدمت العشائر لاستقباله والسلام عليه، وامتلأت ديريك بالضيوف والزوار فامتلأت الفنادق وضجت المقاهي بالرواد، وفي المساء خطر بباله الغناء فصعد إلى سطح الدار وترتّل بأغنية / أحمدي مالا موسى / وروِي حينذاك بأنّ اهالي قرى / كري كرا ـ كاني كرك ـ بورز ـ بازندان ـ بانه قصر ـ كانيا نعمي ـ كرزرك … / كانوا يتسمّعون الى غنائه بصوت وكلمات واضحتين … وخرج جميع زوار المقاهي والمطاعم من أماكنهم الى حيث بيت سعيد لسماعه … بعضهم دفع الحساب وبعضهم لم يدفع حيث هرع إليه أصحاب المقاهي مترجّين منه التوقّف عن الغناء ولكنه رفض فعرضوا عليه ربح الليلة مناصفةً ولكنه أبى … وبقي الناس يستمعون اليه الى ساعاتٍ متأخرة من الليل ….

ـ ديريك أثناء الحرب العالمية الثانية :

في هذه الأثناء كانت فرنسا قد شدّت قبضتها على كامل ـ ما يعرف ب ـ سوريا اليوم … وكان الوضع في الجزيرة هادئا آنذاك … وعندما سقطت فرنسا واحتلّتها جيوش هتلر واستلام فيشه الحكم ومن ثم تعيين أحد أعوان النظام الجديد في سوريا، ومن ثم التحول الأوتوماتيكي للعملاء الى النظام الجديد …وكانت الأخبار تصل إلى ديريك آنذاك من خلال نشرات ومطبوعات الجيش الفرنسي وذلك عن إبادة الجيش الألماني للبشر وكذلك أخبار اندحارهم على الجبهة السوفيتية …. وحين سقوط حكومة فيشه ومن ثم استلام الديغوليين للسلطة التي امتدّت إلى المستعمرات أيضاً … كانت الحركة الوطنية المقاومة للاحتلال ـ آنذاك ـ قد اشتدّ ساعدها والوضع الدولي لا يسمح لفرنسا بإدامة انتدابها لذلك لجأت إلى خلق المبررات لبقائها ، وذلك بزرع الفتن عن طريق عملائه فاستغلّ التفاف بعضٍ من ضعاف النفوس من المسيحيين حولهم وبدأ يستغلّ مآسي الفرمان المدان جملةً وتفصيلاً ذلك الفرمان المفتعل من قبل السلطات العثمانية مثيراً بذلك مشكلة طائفية والتي كانت في الأساس صراع بين الوطنية آنذاك وعملاء الاستعمار وأزلامهم … صراع بين المطالبين بالاستقلال وبين المؤيّدين لبقاء الأجنبي على أرض الوطن … وخطت فرنسا خطوات عملية في مشروعها، فبدأت تنظّم عصابات سرية للمسيحيين تمدّهم بالسلاح سراً وتمهّد الطريق أمامهم لتوجيه ضربات إلى نواة الحكومة الوطنية الفتية، فتمّ استقدام كافة عناصر الدرك المسلمين بحجة إخضاعهم لدورةٍ تدريبية ، حيث أوعزوا إلى عملائهم بالهجوم عليهم وهذا ما تمّ، فقُتل مَن قُتل وجُرح مَن جُرح ،ومن ثم تمّ الهجوم على المخافر ايضاً … وعندما تبيّن للفرنسيين براعة عملائهم بالفتك ، أمدّوهم من جديد وعلانية بالسلاح والمال وطلبت منهم توسيع حملتهم لتشمل الكُرد … وفعلاً فرز تماماً الوطني من اللاوطني وبدأت عصاباتهم تهاجم القرى الكُردية وتنهب ممتلكاتهم ونظراً لمساعدة السلطات الفرنسية لهم لم يتمكّن الأهالي من التصدي المستمر لهم فهجروا ديريك باتجاه ـ قزه رجب ـ ومنهم سعيد وأولاده حيث كان أخوه ـ صبري ـ قاطناً بالأساس هناك …. ونتيجةً لهذه الاضطرابات المفتعلة من قبل الفرنسيين واصرار الوطنيين على انسحاب القوات الفرنسية وأمام امتناع الأخيرة دخلت القوات الانكليزية من العراق كالجراد إلى المنطقة وهنا انتقل أعوان فرنسا بتبعيتهم إلى العمالة لصالح الانكليز والتي كانت عليها أن تهبّ لوقف النهب والاعتداء الممارس .. بدلاً من كلّ ذلك دخل الانكليز طرفاً لمساندة عملاء فرنسا بالأمس ونتيجةً لتمسك الكُرد بالموقف الوطني وإصرارهم على رفض الاحتلال من أية جهة وتمسّكهم بالحكومة الوطنية في دمشق، فقد رأى الانكليز توجيه ضربة إلى مركزهم في ـ قزه رجب ـ وفعلاً توجّهت المدرعات إلى هناك التي قصفت البلدة بلا هوادة وفرّ أهلها إلى جميع الاتجاهات، منهم مَن فرّ إلى تركيا ومنهم إلى أرياف ـ جل آغا ـ ودخلت القوات الانكليزية البلدة حيث أكملت تدميرها وذلك بحرق البيوت والممتلكات بالنفط والنار وكان نصيب سعيد آغا الفرار إلى قرية ـ كيشكي ـ عند صالح عبدي آغا ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ، بل توجّه الانكليز عن طريق أعوانهم إلى الريف بحثاً عن الوطنيين وعلموا بأنّ سعيداً ووطنياً آخر يُدعى صوفي ابراهيم وشخصين آخرين محتمون في كيشكي فأرسلوا قوة إلى هناك للقبض عليهم حيث سلّمهم صالح عبدي، وتوجّهوا بهم إلى ديريك وكان الإعدام مصيرهم حتماً أسوةً بغيرهم لولا حادثة عكرت صفو الانكليز وأعوانهم حيث وجّهت دعوة لصالح عبدي بالتوجه لمقابلة الكابتن الانكليزي ومباركة قدومهم، وقرّر صالح تلبية الدعوة للاستطلاع وتبيان نوايا القادمين الجدد توجّه لذلك بصفته زعيماً لعشائر / آليا / ويبدو أنّ الانكليز وبمعاونة عملائهم في قرية ـ حياكا ـ كانوا قد قرّروا تصفية صالح فكان الكمين المحكم هناك .. وما أن وصلوا القرية حتى احتفوا به ـ صالح آغا ـ كثيراً وأخذوا أسلحتهم منهم وقادوا أحصنتهم إلى خارج القرية ، وما أن قطعوها حتى انهالت الرصاصات ليسقط مرافق صالح قتيلاً وجرح ولده وهجّ حصان صالح على صوت الطلقات واستفزّ منطلقاً به بأقصى سرعته وتمكّن صالح من إنقاذ ولده الجريح وذهب به مباشرةً إلى القامشلي ومن هناك اتصل مع الكابتن الانكليزي وأنبأه عن تصرفه الدنيء وقرّر من لحظته مقاطعة الانكليز …وهنا لعبت الأقدار دورها فقد أراد الكابتن أن يهدّيء الأوضاع قليلاً فجلب الذين تمّ اعتقالهم من عند صالح لمحاكمتهم ولسوء الحظ كان المترجم سليم أفندي من أهالي ديريك حيث كان يترجم الأجوبة معكوسة من الكُردية إلى الانكليزية مثلاً : أجب لماذا قاومت الانكليز ؟ .. أنا لم أكن أملك سلاحاً لمقاومتكم وكنت نائماً حينما قصفتم ـ قزه رجب ـ ليترجم سليم أفندي الجواب على الشكل التالي : .. قاومت وسأقتل أي مسيحي يقع في يدي يبدو أنكم نسيتم المذابح ..ليزداد الكابتن غضباً ولكنه لم يجرؤ على إصدار حكم الإعدام … وحكم بما يلي : .. السجن في دير الزور وغرامة 1500 ليرة لكلّ شخص .. وسيق سعيد ورفاقه إلى سجن دير الزور وبقيت زوجته مع أطفالها وأطفال زوجها في كيشكي، حيث مرّت سنوات عجاف وأخذ المرض والجوع يفتك بالناس وكان وباء الجدري والحصبة الأشد فتكاً بالأطفال … معظم أولاده ماتوا جوعاً ومرضاً … بقي سعيد ورفاقه سجناء سياسيين في دير الزور والمصيبة منسيين أيضاً … حيث أنه بعد جلاء الفرنسيين والانكليز من سوريا لم يتمكّن أحد من إطلاق سراحهم …في السجن تعرّفوا على سجين من دير الزور وبعد أن عرف قصتهم دلّهم على طريقة تمكّنوا بواسطتها من تأمين الإفراج عنهم وذلك بكتابة رسالة إلى الشيخ سعيد العرفي الذي كان مفتياً للجمهورية ووطنياً آنذاك .. وتمّ إيصال الرسالة إليه من خلال الطعام إلى الشيخ الذي ما أن استلم الرسالة حتى سعى لدى السلطات لإطلاق سراحهم، ولكن ما من سلطةٍ تجرّأت على أن تأخذ على عاتقها قراراً كهذا لأنهم مسجونون بأمر المندوب البريطاني الذي كان مقره في بيروت آنذاك … وتوجّه الشيخ إلى بيروت ونال الموافقة على إطلاق سراحهم …وأصرّ على الذهاب إلى دير الزور وبعد أن أخرجهم من السجن لم يسمح لهم الذهاب فوراً ـ وعلى حد تأكيد ابن سعيد فقد كان نهار خروجهم من السجن نهار الخميس فاصطحبهم المفتي الى الجامع الكبير وفي اليوم التالي بعد خطبة وصلاة الجمعة طلب الشيخ التبرع للمساجين المطلق سراحهم ..وبعد ذلك وزّع عليهم المبلغ بالتساوي وسمح لهم بالانصراف إلى بيوتهم ….

عاد سعيد إلى ديريك واستقدم أولاده إلى هناك ولصعوبة العيش توجّه مع أسرته إلى قرية / قاصطباني / من قرى ديريك وهي منطقة غنية بالماء وتمرّ بها ساقية متدفقة على مدار السنة ..وتوجّه سعيد إلى مختار القرية / حسين عبدي / وطلب منه زاوية على ضفة الساقية ليزرعها ـ رزاً ـ مناصفة فوافق هذا ولجدية ـ سعيد ـ في العمل بدأت أحواله تتحسّن وبعد أن استقرّ الحال به مع أهله والمتبقين من أولاده … اشتاق الى ابنة أخيه الوحيدة خصوصاً بعد فقدان صبري بعيد / شواطا قزه رجب / حيث كانت تعيش في الموصل فتوجّه إلى هناك بحثاً عنها ,هنا اجتمع مع ثلة الطرب من جديد ولعلّ أهمهم بالنسبة له صديقه ـ سالم عدي جزيري ـ وقالوا له بأنّ الإذاعة الكُردية في بغداد تقلب الدنيا بحثاً عنه وتوجّه الى بغداد حيث سجّل كلّ ما عنده من أغاني فولكلورية .. ولبراعته في الغناء والأداء لقبته الإذاعة ب / سعيد آغايي جزيري / حيث أنّ لقب الآغا ليست منزلة طبقية أو لقب اجتماعي بالرغم من كونه من عائلة معروفة ومشهورة في بوطان …بقدر ما كان هذا اللقب ـ آغا ـ مرتبة له لبراعته في الغناء … وفي هذه الأثناء تردّدت إشاعة قوية مفادها أنّ محمد عارف جزيري وحسو جزيري قد دعوه الى سهرة وأشربوه عقاقير ومواد كيميائية لتشويه صوته ولكن الحقيقة ـ وهذا ما جزمه ابنه بالمطلق ـ بأنه وخلال وجوده في بغداد كان السرطان ينهش بحنجرته وأيقن بأنّ نهايته قد أصبحت وشيكة لذا آثر العودة إلى موطنه الأصلي بوطان … وهناك أخذوه إلى ماردين للطبابة وأجريت له عملية جراحية ولكن المرض كان قد فتك به فتوفّي في بوطان عام 1957 ودفن هناك … وهنا لابدّ من التذكير بأنّ أحكاماً متعددة كانت قد صدرت بحقه من قبل السلطات التركية نتيجةً لتغنيه بكُردستان وشخوص وقادة ثوراتها … ولعلّ من أهم هذه الأغاني : …….

Ey felek felek

Rabin raben lo bira

Hatin roje esiran ………… eme je kin seriyan

Ax ji derde tirkan ………… roja serhatin bor

Haco mesandin ceme xor ………….. yek nema je neket

Kemal bi xwe sur je ket ……………. Ax ji derde tirkan …..

وهناك أغنية غنّاهاعلى كمال اتاتورك ألفت عليه في الفترة التي كان فيه كمال ينادي بالمساواة بين الكُرد والترك واعترف بحقوق الكُرد وحين عودته الأخيرة وهو في حالته الصحية السيئة جلب معه تلك الاسطوانة وكان كمال أتاتورك قد مات قبل ذلك بمدة ليست ببعيدة وبعد دراسة الأسطوانة أعفي عنه شريطة الامتناع عن الغناء ولكن المرض كان سباقاً لذلك …. ولم يكن سعيد مؤدياً للغناء فقط بل كانت له أغنيات متعددة من كلماته وألحانه ـ وإن لم يستطع المرحوم ابنه محمد امين الجزم عن أي من الأغنيات التي ألفها والده ـ وغنّى من شعر جكرخوين وقوطرش أيضاً .. ومن أغانيه المشهورة ……

Sere nadir bege

وهي في مرثية حاجي آغا الوطني الكُردي من كُردستان العراق .. الذي كان رئيساً لبلدية زاخو حيث تآمر الملك العراقي في قتله وأرسل له طائرة لتجلبه إلى بغداد وكان الطيار قد أوصي بأن يقفز بمظلته من الطائرة وفعلاً نفذ ذلك وتحطّمت الطائرة ب حاجي آغا ….

Sere sex seid

Sex abdilrehmane garisi

وهي عن بطولة الشيخ عبدالرحمن كارسي من بانه قسر قرب ديريك وتضحياته إبان ثورة الشيخ سعيد …

Ahmede mala musa

وهي اغنية قديمة من الفولكلور تسبق عصره ولكن كان لأدائه لها نكهة خاصة لتصبح طريقة أداءه نمطاً جديداً لهذه الأغنية …

Sere sofi ibrahime gijali

وهي عن النزاعات الداخلية بين العشائر كأن تقوم عشيرة قوية بمهاجمة أخرى صغيرة واستنجاد هذه بأخرى أقوى .. وهكذا …

Ey felfk felek

Ey rabin rabin lo bira rab…..

وهي من كلمات الشاعر جكرخوين …..

بدلاً من خاتمة : ـ وهي من كلمات أخي نذير حاج عبدالقادر وجمله التي كتبها مذيلاً هذه الأسطر التي تاهت مع تيهي في هذه الحياة …والتي ـ أي هذه الأسطر لربما كانت قد رحلت مع وفاة المرحوم محمد امين سعيد حمو ىغا الجزيري .. الا أنّ حب نذير لهذا العملاق في الغناء الكُردي .. احتفظ بهذه الأوراق كما يحتفظ بجلّ أشرطة هذا المغني الرائع … يقول نذير وبخط يده :

روي أنّ مير جلادت كان في زيارة الى منطقة الجزيرة برفقة أحد وجهاء الشام .. وبعد انتهاء جولتهم التي رافقهم فيها سعيد آغا ..دعا هذا الوجيه سعيد إلى الشام الذي لبّى الدعوة حيث استقبل بحرارة من قبل مير جلادت والوجيه الشامي وفي المساء دعي الى حفلة كبيرة حضرها مطربون عرب ايضاً وغنّى معهم سعيد بلغته الكُردية ورغم عدم فهم المطربين لمعاني الأغاني الا أنهم أبدوا إعجابهم الشديد بصوته وأنغامه …. وفي كلّ مرة كان مير جلادت يقدم فيه الى المنطقة يصطحب معه كلّ من المرحوم الشاعر والأديب ملا طاهر و ـ حاجي يوسف ميرزا ايرسي ـ وكذلك المرحوم سعيد جزراوي واحمد أوسي مستقلّين سيارة جيب تويوتا لصاحبه الياس كرو وينطلقون من ديريك الى عين ديوار حيث تستغرق معهم الرحلة أكثر من ست ساعات بالرغم من أنّ المسافة لا تتجاوز 20 كم وهناك في عين ديوار يكملون يومهم في منزل أو بمعية المرحوم حاج عبدالكريم من عائلة أوصمان أفندي والذي انتخب لأكثر من مرة في البرلمان السوري …..

************************************

ملاحظات وهوامش

ـ هذه المعلومات زوّدني بها المرحوم الحاج محمد امين الولد الوحيد للراحل سعيد آغا الجزيري وذلك قبل وفاته بسنين قليلة ..وكان المؤمل طباعة كراس عنه يتضمّن مع سيرته الشخصية كلّ أو جلّ أغانيه ..ولكن للأسف الظروف لم تسنح لي ..والموت كان سبّاقاً للمرحوم محمد امين أيضاً

* الدار والمحلات والفرن ما زالت ـ على حد علمي موجودة في ديريك ـ وتسمّى ب ـ فرنا محمدي صور ـ الذي هو زوج إحدى بنات الراحل سعيد آغايي جزيري ..رحمهم الله …..

** كانت تركيا تتابع أنشطة الشعراء والمغنّين الكُُرد وتطالب فرنسا بتسليمهم وخلال فترة الثلاثينيات من القرن الماضي ورد في أكثر من وثيقة تعود إلى تلك المرحلة ترجمها عن الفرنسية الاستاذ خالد عيسى جاء فيها : …

( ومن هؤلاء الفنانين المناضلين الفنان الكُُردي الكبير سعيد آغا الجزراوي الذي نكاد ننساه. وبالحقيقة لا أخفي على القارئ بأنني لم أكن أسمع به قبل الحصول على ملفه من الأرشيف الفرنسي في صيف عام 2009، وبعد ذلك سألت بعض الأصدقاء عنه، ثم قرأت عنه مؤخراً مقالة للأديب الكُردي وليد حاج عبد القادر.

في عام 1936، سجّل و وزّع المغني الكُردي سعيد آغا االجزراوي اسطوانتين من الأغاني القومية. فاحتجّت السفارة التركية في بيروت لدى ممثل المفوض السامي الفرنسي في حلب، وطلبت منه منع هاتين الاسطوانتين وسحبهما من التداول، وذلك لأنّ المغنّي يروي فيها ثورة الشيخ سعيد و يدعو الى استقلال كُردستان.

سنعرض لكم ترجمة القسم الهام من هذا الملف

****

ـ الوثيقة الأولى ـ

الجمهورية التركية

السفارة

بيروت

ـ متن الوثيقة مكتوب بالفرنسية، المترجم ـ

رقم٢٣٦ ـ ١٢٧٧

ملحق ـ صور

مسجل في البريد الوارد للأمانة العامة لدى المفوضية السامية

بتاريخ ٢٣أيلول عام ١٩٣٦

برقم ٢٧٦٧

مسجل في مكتب الشؤون السياسية

بتاريخ ٢٤ أيلول ١٩٣٦

برقم ٢٦٦٣

بيروت في ٢١أيلول ١٩٣٦

الى السيد جاك مايير

الممثل العام للمفوض السامي للجمهورية الفرنسية

السيد الممثل العام

ان الشركة الشرقية للاسطوانات ـ سودواـ في حلب، قامت مؤخراً، برعاية المدعو سعيد آغا جزراوي، بتسجيل اسطوانتين للدعاية السياسية، والتي تُسمّع روايات انتفاضة الشيخ سعيد، و استقلال كُردستان وفواصل شعورية غايتها إثارة المشاعر ضد وحدة الأراضي التركية لصالح كُردستان.

تمّ إرسال هذه الاسطوانات الى تركيا أيضاً. أرسل لكم صوراً منها، أرجو أن تتفضلوا بإعادتها إلي.

بأمر من حكومتي، أتشرّف بلفت انتباهكم إلى النشاط غير المشروع و المنهجي للجنة الكُردية و للمنظمات المماثلة التي، رغم المساعي التركية، لا تتوقّف عن القيام بتصرفات مناهضة لدولة مجاورة.

أنا مكلف أيضاً بأن أطلب منكم التفضل بلمّ الاسطوانات المذكورة حيثما وجدت، و بمباشرة الملاحقات ضد الفاعلين، وبمنع أي تسجيل ذات هدف سياسي في المستقبل. سأكون ممنوناً منكم اذا تفضلتم بإعلامي بتيجة هذا الطلب.

تفضلوا، السيد الممثل العام، بقبول تقديري السامي.

القنصل العام

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد 298

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى