آراء

ومن جديد ..المظلومية الكُردية كُردستان الشرقية – روچ هلات –

إعداد ليلى قمر و وليد حاج عبدالقادر
القسم الثالث والأخير

في القسمين الماضيين استعرضنا أشكال و آليات تطور التصعيد في قضية كُردستان ايران ، و بشكلٍ خاص منها المرحلة التي تلت سقوط نظام الشاه ، وسيطرة أتباع الخميني على النظام ، ومن ثم العمل و بوضوحٍ لتأسيس – بناء نظام دولة جديدة ، كان ظاهرها منذ الخطوات الأولى يشي بتراكبية البوم – مذهبية وإلباسها للدولة – النظام ، ومنذ الخطوات التنفيذية الأولى للمخطط – المشروع ، بانت حقيقة مختطفي الثورة وغاياتهم ، هذا الأمر الذي وضعهم في مواجهة أطياف المجتمع الذي كان محوطاً داخل جغرافية ايران الشاهنشاهية ، ولتصطدم الخطوات بردٍّ فعلي قوي ، خاصةً بين الكُرد والنظام الجديد ، وأجّجها و زاد من وتيرتها ورقعتها ردّ فعل الشعب الكُردي الغاضب على النظام ، لمنعه ممثلي الكُرد المشاركة في صياغة الدستور الإيراني الجديد – كان يفترض أن يكون الشهيد الدكتور عبدالرحمن قاسملو ممثلاً عن شعب كُردستان – ، وأدّى هذا الأمر إلى اندلاع معارك عنيفة ، واستشهد على إثرها كثيرٌ من الكُرد ، ودمّرت قرى وبلدات عديدة ، وهنا وبإيجاز ! يمكننا ترصّد المتحولات التنظيمية – الحزبية وبشكلٍ خاص بعد ذلك المخاض العسكري وترتيبها على الشكل التالي :
– الحزب الديمقراطي الكُردستاني الإيراني : وهو من أقدم الأحزاب السياسية في كُردستان ايران ، تأسّس عام 1945 بمدينة مهاباد الإيرانية ، ومن أهم أهدافه : نيل الحقوق القومية للشعب الكُردي في إطار دولة ايران فدرالية ديمقراطية . ورغم مشاركتها الثورة ! الإيرانية ضد الشاه ، إلا أنّ نظام الخميني رفض الإقرار بأيٍّ من الحقوق الكُردية ، ونظراً للقمع الممنهَج بشقّيه العسكري والسياسي ، فقد اضطرّ هذا الحزب إلى نقل نشاطه للخارج مع بقاء قواعد له داخل إقليم كُردستان العراق .
– جمعية الكادحين الثوريين لكُردستان إيران ( كومله ) : تأسّس عام 1967 وفي الأصل كان هو الجناح الكُردي في الحزب الشيوعي الإيراني ، وهو حزب سياسي أخذ المنحى القومي الكُردي بصبغة ايرانية يسارية ، وينتشر في إيران و كُردستان العراق ، كان لهم حضورهم المميز في الثمانينيات والتسعينيات ، وأجبِروا على إلقاء السلاح بعد مقاومةٍ شديدة من قواتهم في كُردستان العراق .
– حزب الحياة الحرة الكُردستاني ( بيجاك ) :
وهو حزب يساري أيضاً ، و يزعم بأنه يتحدّث باسم الشعب الكُردي في ايران أسوةً بتفرعاته في أجزاء كُردستان الأخرى ، وكتوابع لمنظومة حزب العمال الكُردستاني ، وهذا الفصيل بالذات نشأ كقوةٍ عسكرية عام 2004 في جبال قنديل ، ضمن معسكرات PKK قرب حدود كُردستان ايران ، وعملياً يعتبر هذا التنظيم كلّ أجزاء كُردستان ساحته النضالية، ولكنه في الواقع يستخدم ذلك كبديلٍ عن ساحته الحقيقية المفترَضة ، وتدلّ المعطيات وشهود العيان على نفوذه القوي في منطقة أورمية التي تتحدّث اللهجة الكرمانجية ، وكردٍّ على العقل السلطوي المنغلق تمدّد نفوذ هذه المنظومة لفترةٍ بين صفوف الشباب وما لبث أن أخذ ينحسر .
– حزب آزادي – الحرية – الكُردستاني ( PAK ) :
تأسّس عام 1991 وبهدف تأسيس جمهورية إيرانية فدرالية ديمقراطية ، ساحة نضاله هي كُردستاني إيران والعراق ، وهم من مرتبات قوات بيشمركة كُردستان العراق وشاركوا معها في الحرب ضد داعش ، وشنّوا هجمات موجعة ضد قوات النظام الإيراني كما في شهر نيسان عام 2016 .
وفي خاصية العلاقة بين هذه الفصائل والأحزاب ، وفي لازمة تأطير تحالفاتها المناطقية والعالم ، يلاحظ كتلة المتناقضات التي قد تصل أحياناً إلى حد الوحدة والصراع ، وكلّ ذلك يعود كامتدادٍ طبيعي لفترة مطلع القرن الماضي ،
وهنا ! وفي هذا الاستعراض لابدّ من الإشارة إلى نقاط جدّ حيوية ، فبالرغم من وجود حركة سياسية مؤطّرة في عدة أحزاب ، وأيضاً كونها القوة المنظّمة و المبادرة كانت في الصراع ومواجهة النظام ، ولكنها لن تنفي بالمطلق ، وجود كتل – مجموعات ثقافية وسياسية واجتماعية تأطّرت داخل المجتمع الكُردي في إيران ، وتصقّلت وأصبحت مثار حديث واهتمام الشباب . وعلى الرغم من التضييق الإعلامي والأمني عليهم ، إلا أنّ هناك ملمح واضح لحراك هادئ ولتجمعات شعبية ظهرت عقب الإضرابات التي تمّت في بعض المدن الكُردية على أثر بعض من التصرفات المسيئة للكُرد . وشهد غالبية العالم كيف تحوّلت المدن الكُردية إلى مجموعات ضخمة من المتظاهرين الغاضبين ، وكلّ ذلك من دون بروز أيّ تأثير ظاهري / ملحوظ للأحزاب السياسية الكُردية الآنفة الذكر ، وكلّ ذلك على أرضية التكاتف والتضامن المجتمعي القومي الكُردي ، وكتجسبدٍ عفوي وعملي لمفهوم وحدة المصير ، ولعلّ من أشهر الظواهر التي يمكن اعتبارها كأنموذجٍ و يعمّم ، وهي حادثة انتحار فتاة كٌردية بعد تعرّضها للتحرش من قبل عنصر أمني إيراني في منتصف شهر مايو/ أيار 2015 في مدينة مهاباد الكُردية ، هذه الحالة التي يمكن التعميم عليها واعتبار ذلك الحراك الشعبي الضخم في كُردستان ايران ، على أنها هي في الاغلب نتاجات وردّات فعلٍ جماهيرية قد تطورت – تتطور لتنتظم ، ولكن ،؟ وللأمانة علينا ألا نتغافل أيضاً في مناطق كُردستان روچهلات عن أمر هام ، ونعني بها تلك التحركات القوية والواعية ، والتي تنفي مزاعم بعضهم على أنّ الأحزاب السياسية تعمل عليه أي بمعنى : إنّ الوعي العام للمعارضة الشعبية أعلى من الوعي السياسي الحزبي التقليدي . ولوحظ أيضاً مؤخراً وعلى هدي التجربة التركية مع PKK و نظراً لوجود قواعد للتنظيمات الكُردستانية الإيرانية في المنطقة ، حيث لم تزل قوات النظام الإيراني وبمختلف أنواع الأسلحة التي تمتلكها من استهداف أراضي كُردستان العراق ، وهناك حالات استهداف عنيفة مثلما حدث ( صباح يوم السبت في 08/09/2018 على المقر الرئيس للحزب الديمقراطي الكُردستاني و الحزب الديمقراطي الكُردستاني الإيراني التي أدّت إلى مقتل وإصابة أكثر من 55 شخصاً بتصرفٍ عدواني غير متوقع ) ، وتلتها استهدافات عديدة ، وهنا وإن لم نكن في صدد مناقشة هذا الجانب ، رغم أنّ التاريخ يشير إلى العديد من الحملات الدموية التي قامت – تقوم بها القوات الإيرانية للحدود ، وكذلك التحرشات المستمرة بالمناطق المجاورة للحدود الشرقية والشمالية الشرقية لإقليم كُردستان العراق ، ولعلّ من أشهرها : الهجوم على مدينة كوية ( كويسنجق ) الذي كان له صدى كبير في الساحة العامة الكُردية وفي مجمل العراق لم يأتِِ بالمصادفة ، أو لم يكن فقط هجوماً استهدف اجتماعاً لمعارضين للنظام الإسلامي في إيران بقدر ما كان محمّلاً بدوافع متعددة ، قادت إيران إلى التصرف المذكور . ولعلنا نستطيع تكثيفها تلخيصاً :
– استعراض للقوة كنتاجٍ لتداعيات الضغط السياسي والاقتصادي بسبب العقوبات الإقتصادية المفروضة عليها من قبل واشنطن .
– والأهم تخويف الجهات الكُردية الإيرانية المعارضة لإيران من احتمال تحولهم إلى حلفاء للقوى المناهضة لإيران في المنطقة .حسب معلومات يبدو أنها كانت قد وصلت إلى طهران من أنّ الكتل الكُردية السياسية ستصبح القوى الرائدة لوقف المشروع الإيراني في المحيط كونها تملك تاريخاً طويلاً من الصراع مع حكومات طهران المتعاقبة .
– وغاية أخرى هامة وهي محاولة للتأثير على حكومة إقليم كُردستان العراق لدفعها إلى التقرب من الأحزاب والجماعات العراقية القريبة من إيران بعد أن أصبح ملف تشكيل الحكومة العراقية الجديدة جزءاً من الصراع – الإيراني – الغربي – الخليجي ( في المرحلة الحالية، وفيما يبدو أنّ الهجوم كان رداً لرفض القوى الكُردية العراقية الانجرار إلى المحور الإيراني وتوجهها إلى التعاون مع الغرب أكثر منه مع طهران.)
– توجيه أنظار الإيرانيين الغاضبين من الوضع الاقتصادي الهشّ للبلاد إلى الخارج وزيادة جرعات مفهموم المؤامرة الخارجية للهرب من مواجهة التظاهرات العارمة التي انتشرت من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق الإيراني بعد فشل الساسة الإيرانيين في تقديم حلول للوضع الاقتصادي المزري، ولظاهرة الفساد المنتشر في عموم هياكل الدولة .
– توجيه رسائل إلى أمريكا عن قدرتها في الوصول إلى الجنود الأمريكيين الموجودين في العراق من خلال عرض ترسانتها الصاروخية، ومن خلال تنفيذ عملية مماثلة على ريف دير الزور السوري في المدّة الماضية .
– محاولة لتعزيز تقاربها مع تركيا ، والتي تقوم بين الحين والآخر بعمليات جوية ضد مقاتلي Pkk في المثلث الحدودي العراقي- التركي- الإيراني، و تذكيرها بوجود عدو مشترك ممثلة بالقوى السياسية والعسكرية الكُردية .
– تخويف سكان إقليم كُردستان ليقوم هؤلاء بالضغط على قادتهم المحليين لتثبيط أي حراك مستقبلي للقوى الكُردية ضد طهران في الأيام المقبلة، وهو ما يبدو أنه لم يؤتِ ثماره مع ازدياد الغضب لدى سكان إقليم كُردستان على طهران واعتبارهم التصرف الإيراني انتهاكاً لحرمة أراضي الإقليم الهادئ بشكلٍ عام.
– محاولة من طهران لوقف نشاط الأحزاب الكُردية الإيرانية ضدها ، وبخاصة أنّ الحزب الديمقراطي الكُردستاني الإيراني و حزب حرية كُردستان بدأا رسمياً بالقيام بعددٍ من العمليات العسكرية ضد الحرس الثوري الإيراني في المدّة الماضية ، ومع ظهور أنباء عن تحرك مقبل لباقي القوى العسكرية الكُردية ضد طهران . ومع قيام طهران في الثامن من سبتمبر/ أيلول بإطلاق سبعة صواريخ على جماعة كُردية معارضة وهي ( حدك ) في إقليم كُردستان العراق ، والتي سقط على اثرها 15 شهيداً . وأعقبتها عملية إعدام السلطات القضائية الإيرانية ثلاثة معارضين أكراد بعد ذلك بساعات زاد الغضب الكُردي على الحكومة الدينية في إيران ، هذا الغضب الكُردي العابر للحدود الذي شمل عدداً من الناشطين والسياسيين الذين كتبوا عن الموضوع، ونشروا صوراً للضحايا الأكراد في كوية على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي الذين أرفقوا تلك الصور بكتابات تهين الحكومة الإيرانية وتعتبر تصرفها العدواني جزءاً من حقيقة الذهنية الإيرانية الحاقدة على الأكراد فقط لكونهم أكراد تولدت لدى المتابعين والمعنيين بالشأن السياسي الكُردي تصورات لردود كُردية محتملة على هجوم كوية ، ويمكن تلخيص تلك الردود بتقسيمها إلى مناطق جغرافية محددة ، وفي إيران حيث بدأت عمليات الضغط الشعبي على الأحزاب الكُردية الإيرانية للقيام بعمليات تعاون فيما بينها قد تنتهي بعمليات دمج نهائي بين عددٍ من تلك القوى العسكرية والسياسية. ولأنه من الصعوبة بمكان دمج الأحزاب السياسية الكُردية الإيرانية كلها في حزبٍ واحد لكون التباعد السياسي بين عدد منها، وبخاصة الحزب الديمقراطي الكُردستاني في إيران وحزب الحياة الحرة الكُردستاني هو تباعد جوهري إلا أنه من الممكن العمل على تشكيل هيئة عامة لتلك الأحزاب والقوى، وتحديد نقاط مشتركة يهدف الكلّ من خلالها إلى الوصول إلى الأهداف القومية الكُردية. العمل على تشكيل التكتل، وإن كان يبدو أنه مشوار طويل إلا أنّ الحدث الأخير وشعور كثير من المعنيين بالشأن الكُردي الإيراني بمدى الخطر السياسي عليهم يدفعهم مع الوقت إلى البحث عن صيغ لوقف الخلافات الداخلية فيما بينهم ، والتركيز على تقوية الجبهة الداخلية الكُردية ، وزيادة العمل السياسي والعسكري ضدّ حكومة إيران . ولعلّ من أهم مايقلق الكُرد ، لا بل ويقاومونها ، هو تفادي تحويل مناطقهم إلى وقود لتصفية الحسابات الدولية مع تعزيز قوتهم الذاتية في الوقت نفسه . والجماهير الكُردية وبقوة تضامن شعبي كُردي يركّز جهوده على ايجاد آلية لتعزيز خطوط التواصل مع باقي المعارضة الإيرانية على الرغم من كونها معارضة مشتتة وضعيفة ، وكذلك تحاول العمل على تحديد نقاط مرجعية للحراكات الشعبية الصاعدة في المدن الكُردية ضدّ سلطات طهران حيث لوحظ توسع الاضطرابات والإضرابات والتظاهرات السياسية في المدن الكُردية المختلفة ، وهو جزء من صور الغليان الشعبي للشعب الكُردي في إيران . وستحاول الجهات العسكرية الكُردية من جهتها تعزيز العمليات ضدّ الجيش الإيراني داخل إيران لكي ترفع أعذار التدخل الإيراني في إقليم كُردستان. وستحاول تعزيز الحراك السياسي الخارجي في الدول الغربية لإيصال رسالتهم إلى العالم الخارجي وتأمين الدعم و التغطية الدولية اللازمة لعملياتهم المقبلة .
وفي الخلاصة :
وعود على بدء فإنّ العالم كلّه يعيش هذه الأيام على كفّ عفريت ، والمناخات الدولية بصراعاتها التي أنهكتها تراكمات أنصاف الحلول ، هذا الأمر الذي أعادنا القهقرى إلى زخم ما قبل الحرب الكونية الأولى لربما بقرنٍ وأكثر ، ولتليها أحداثيات كما وإفرازات نتائج عدّت هامة في مرحلة تاريخية ، ولكنها لم تحسم أيّ أمر بقدر ما قطعتها و زادت فيها عقد الوصل والفصل ، والآن ! هناك تسريبات شبه واضحة على ترسيمات خرائطية جديدة ، قد تكون أنجزت أو قيد التطوير والتنفيذ ، هذه الملامح وإن لم تفصّل – تتوضّح بعد كخرائط معدة ، أو لعلها محوطة بقمقم من السرية ، ولكنه المشهد الصارخ في عمليات الصراع الحديث حيث الماء والغاز والطرق ، وعليه وكنتاج عملي لممارسات النظم الإيرانية خاصةً بعد سقوط الشاه وسيطرة رجال الدين على النظام وممارسة الحكم بشرائع مشبعة بنزعويات قوموية وبلبوس مذهبي صارخ ، وكذلك تلك الفوقية العرقية المتراكمة عند الفرس – مذهبية ، ومسألة التشيع والمدعومة بفتوى دينية مطوّبة ، ومن ثم ظاهرة التمدد ونزعة الخروج عن طوق خريطتها وتشكيل المجموعات والحشود ، والأهم مساعي العبث بتوازن القوة وخاصةً خوض مجال التسلح النووي ، كلّ هذه الأمور والأهم منها جميعاً سياسة البطش والكبت والتفرقة المذهبية والعرقية ، والوضع المعيشي كلها عوامل ستعمل كالمشرط في جسد الخريطة الجغرافية غير المتجانسة أصلاً والتي تشكّلت منها دولة فارس ، وكذلك الشعوب وأوطانها التي ألحقت بها جبراً . وإشكاليات الفرس بالترافق مع المذهبية و مع أول انكسار و تقهقر للنظام سيلزمها مجلس أمن يضبط ايقاع إعادة من خرج لجهاد التشيع إلى بلده وفكفكة قواعده وكذلك الضبط الممنهج لإعادة ترسيم عادل للشعوب وخرائطها .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى