2018 عام تقسيم الكعكة السورية وتوزيع مناطق النفوذ

فؤاد عليكو

شئنا أم أبينا (وبعد مرور سبع سنوات من الثورة السورية دون وجود حسم أو حل للأزمة) نستطيع القول بأن سوريا تحولت إلى ساحة صراع إقليمي ودولي بامتياز، ودفع الشعب ثمناً باهظاً في الأرواح والممتلكات والهجرة والتهجير لأكثر من نصف سكانه وتوزعهم في المخيمات و دول العالم. ونتيجة لهذا الصراع فقد خرجت الورقة السورية من أيدي أصحابها سواءً النظام أم المعارضة وفقد الطرفان زمام المبادرة والقرار الوطني المستقل وتحولوا إلى قوى محلية تابعة لإرادة الدول المتصارعة ينفذون أوامرهم دون تردد وحتى دون أخذ رأيهم، وهذا ما لمسناه عملياً في التواقيع التي كانت تحصل في آستانا وعمان والقاهرة ومناطق خفض التصعيد حيث تتفق الدول المتصارعة فيما بينها على بنود الاتفاقيات وتقوم المعارضة والنظام بتنفيذها على الأرض دون اعتراض.

كما يتم التحضير للأوراق ومسودات الدساتير من قبل روسيا وأمريكا والأمم المتحدة تخص الشأن السوري دون علم السوريين جميعاً.

وعلى الأرض بدأت تتضح معالم تقسيم الكعكة السورية جغرافياً وتوزيع لمناطق النفوذ بين روسيا وأمريكا والدول الإقليمية المعنية بالأزمة السورية

ويبدو أن هناك تفاهما علنياً أو ضمنياً حول تقسيم ثلاث مناطق وهي :

شرق نهر الفرات تعتبر أو اعتبرت منطقة نفوذ أميركي

وغربي نهر الفرات وحتى ادلب منطقة نفوذ تركي

غربي سوريا وحتى العاصمة دمشق منطقة نفوذ روسي

أما القسم الجنوبي من سوريا فالصراع محتدم الآن بين إيران من جهة والأردن والسعودية وإسرائيل من جهة أخرى وكل طرف يريد أن يكون له النفوذ والتأثير على هذه المنطقة ولكل منهم حساباته.

فإسرائيل لايمكن أن تقبل بأي شكل من الأشكال وجود إيران ومليشياتها على حدودها في محافظة القنيطرة وغرب وجنوب دمشق والتواصل الجغرافي مع جنوب لبنان منطقة نفوذ حزب الله الحليف القوي لإيران، وبالتالي يهدد هذا التواجد الإيراني في هذه الرقعة الجغرافية الواسعة على حدودها أمنها القومي في العمق مستقبلاً وهذا مالا يمكن القبول به تحت أي ظرف كان، وما الحوادث الأخيرة بين الطرفين وإسقاط الطائرة الإسرائيلية من قبل الدفاعات السورية وبأوامر إيرانية والرد الإسرائيلي العنيف على العديد من المواقع العسكرية للنظام وإيران ماهي إلا رسائل أولية متبادلة وجس نبض كل طرف للآخر، وعلى الرغم من نداءات التهدئة الدولية إلا أن الموضوع يبقى ناراً تحت الرماد ولن ينطفئ بسهولة.

أما الأردن و السعودية فيرون بأن تواجد إيران على الحدود الأردنية يهدد أمن الأردن والخليج معاً ولا يمكن القبول به مطلقاً . وهنا تتقاطع الرغبة الإسرائيلية والأردنية والسعودية مع التوجه الأمريكي بتحجيم الدور الإيراني في سوريا وهو تعبير سياسي ملطف لإنهاء الدور الإيراني في سوريا وهذا ما لايمكن لإيران القبول به بسهولة فهي التي دفعت ثمنا غالياً من الدماء والأموال للاستحواذ على هذه المنطقة، وهذا يعني أننا ربما سنشهد في المرحلة المقبلة صراعاً عسكريأ دولياً إقليمياً في تلك المنطقة نظراً لضآلة إمكانات التفاهم السياسي بين هذه الأطراف.

أما بالنسبة للمناطق الأخرى وعلى الرغم من وجود نوع من التفاهم الأولي حول تقسيم مناطق النفوذ فيها إلا أن لكل منطقة تعقيداتها الجيو/سياسية أيضا ولم يحسم بعد.

ففي شرق الفرات والذي يفترض أن تكون منطقة نفوذ أمريكي ، إلا أن النظام وإيران والروس متواجدون في بعض جيوبها في شرق الفرات ومدينتي القامشلي والحسكة، وما حصل من اشتباكات قوية بين النظام وأمريكا في شرق الفرات وقتل المئات من قوات النظام ومليشيات حزب الله ماهي إلا رسالة قوية من أمريكا للنظام بمغادرة المنطقة دون تردد كما لم تتضح بعد كيف ستتصرف أمريكا مع تواجدهم في مدينتي قامشلو والحسكة .

إضافة إلى وجود مشكلة كبيرة مع تركيا ورفض تركيا القاطع لوجود ب ي د على حدودها وبدعم أمريكاً واعتبار ب ي د جزءاً من منظومة حزب العمال الكردستاني المناهض لتركيا بقوة، وبالتالي وحتى تستقر هذه المنطقة بشكل يؤمن عودة اللاجئين وإعادة الإعمار لابد من معالجة هذه القضايا العالقة والحساسة جداً.

أما المنطقة الشمالية والغربية ودمشق فيبدو أن الأمور تتجه نحو تحديد تلك المناطق بالتفاهم بين تركيا وروسيا وإيران في آستانا أو غيرها من الأماكن، إذ كل المؤشرات تدل على أن هناك تقسيما قد تم بين هذه الأطراف وذلك بتخلي روسيا عن دعم ب ي د في عفرين وإدارة الظهر لها مع التغاضي الأمريكي العلني وترك مصيرها لتركيا وكذلك توكيل تركيا بمهمة القضاء على النصرة في إدلب والسماح للجيش التركي بالتمركز في 12 نقطة عسكرية في المحافظة وجنوب وغرب حلب. كما يبدو أن هناك تفاهماً دولياً غير معلن أيضاً بترك مصير الغوطة الشرقية ايضاً للروس والنظام.

ومن المؤسف القول بأن ماتم التفاهم عليه سراً أو علناً حول توزيع مناطق النفوذ سيدفع الشعب ككل ثمناً باهظاً من الدماء والدموع أكثر دموية من الأعوام السابقة حتى تستقر.
كما أن من المستبعد حدوث أي اختراق سياسي باتجاه الحل قبل أن تستقر الأوضاع في هذه المناطق، وربما وفي أفضل الحالات سيكون هناك وقف شامل لإطلاق الناربعد هذا التقسيم الوظيفي على غرار ما هو حاصل اليوم في شرق أوكرانيا اليوم .إلى أن تتفق الدول ذات النفوذ على صيغة دستورية مرنة تتوافق ومناطق النفوذ هذه ، وهذا يعني أننا أمام صيغة دولة اتحادية على أساس جغرافي ذات صلاحيات واسعة يسمح للإقليم بتوقي ع الاتفاقات الدولية، هذا فيما لو اتفقوا على بقاء سوريا موحدة.

 

مواضيع ذات صلة