ملفات و دراسات

الأوبرا.. أسرارها. نشأتها. طقوسها التاريخية. كيفية أدائها. في الغرب والشرق وعند الكُرد

إدريس شيخة

الأوبرا هي شكل من أشكال المسرح، حيث تعرض الدراما كلياً أو بشكلٍ رئيسي بالموسيقى والغناء، وقد نشأت في إيطاليا عام 1600.

فقد حاولت جماعة الأصدقاء «كاميراتا Camerata» في فلورنسا بزعامة «الكونت باردي Count Giovanni Bardi» عام 1600 إخراج مسرحية تتخلّلها الموسيقى على غرار ما تصوّروه عن التراجيديات الإغريقية؛ فإذا بهم يصلون إلى نموذجٍ مسرحي جديد ، أسموه (الأوبرا).

ولقد كانوا أصحاب النظرية والتطبيق ؛فكان كلٌّ منهم يسهم في العمل الفني المشترك في حدود تخصصه؛ فكان «كاتشيني Giulio Caccini» يهتمّ بتنمية الغناء ، و«كافالييري Cavalieri» يقدّم الموسيقى الملائمة للمسرح، وكان كلٌّ من «بيري Peri» و«رينوتشيتي Rinuccini» يعملان على استكمال مقومات التعبير الدرامي، فولد نموذج الأوبرا من جهودهم التطبيقية المشتركة ونظرياتهم .

والأوبرا كلمة ايطالية تعني «العمل» من اللاتينية أو «بذل الجهد»)، هذا يقترح أنها تمزج ما بين الفن المنفرد ومع الجوقة الموسيقية، الخطبة، التمثيل والرقص على منصة المسرح، وهي بالأصل تطلق على كلّ مسرحيةٍ ملحّنة، تجمع بين الموسيقى والشعر، والتمثيل، والرقص، والتصوير، وهي جزء من الموسيقى الغربية الكلاسيكية وتراث الشعوب القديمة، تعرض عدة عناصر من عناصر المسرح الكلامي مثل التمثيل، والأزياء، والرقص .

عادةً ما تكون عروض الأوبرا في دار أوبرا مصحوبةً بأوركسترا أو فرقة موسيقية أصغر قليلاً. يؤدّى الحوار بالغناء ، بطبقاته ومجموعاته المختلفة، موضوعها وألحانها تتفق وذوق وعادات العصر الذي كتِبت فيه، وتشتمل الأوبرا على الشعر والموسيقى والغناء والباليه والديكور والفنون التشكيلية والتمثيل الصامت والمزج بينها. كما تشمل أغانيها على الفرديات والثنائيات والثلاثيات والإلقاء المنغم أو الرسيتاتيف (Recitativo)… والغناء الجماعي (الكورال) وبمصاحبة الأوركسترا الكاملة.

وهذا يعني أنّ كلمة أوبرا الإيطالية اشتُقّت بدورها من الأوبرا اللاتينية. فالأوبرا هي أيضًاً صيغة الجمع اللاتينية لكلمة أوبوس، بنفس الجذر، لكنّ كلمة أوبرا كانت اسماً لاتينياً مفرداً في حدّ ذاتها، وفقاً لقاموس لويس آند شورت، «استُخدمت كلمة أوبوس اليونانية في الغالب للعمل الميكانيكي، مثل ذلك الخاص بالحيوانات والعبيد والجنود، بينما تشير كلمة الأوبرا اليونانية لحرية الإرادة في العمل والرغبة في الخدمة».

نشأ الشكل الفني المعروف باسم الأوبرا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، معتمداً على تقاليد قديمة للترفيه الملكي في العصور الوسطى وعصر النهضة. استُخدمت كلمة أوبرا لأول مرة بالمعنى الموسيقي والمسرحي الحديث في عام 1639، وسرعان ما انتشرت إلى اللغات الأوروبية الأخرى. كانت الأوبرا في البداية متواضعةً مقارنةً بأشكال الدراما المغنية الأخرى في عصر النهضة، لكنها سرعان ما أصبحت أكثر ثراءً وحلّت محل العروض المسرحية من النوع السابق المعروف باسم إنتيرميديو

و يُعتبر عمل دافني لمؤلفه جاكوب بيري أول تأليفٍ لأوبرا، وفق معاير اليوم ،على الرغم من أنه شمل خمس آلات موسيقية فقط ؛إذ كان أشبه بأوبرا الحجرة مقارنةً بالإنتيرميديو أو أوبرا (كلاوديو مونتيفيردي) بعد بضع سنوات.

كُتبت هذه الأوبرا نحو عام 1597، واستُوحيت إلى حدٍّ كبير من دائرة نخبة مفكّري فلورنسا الإنسانيين الذين تجمّعوا تحت اسم «كاميراتا». بشكلٍ ملحوظ، كانت أوبرا دافني محاولةً لإحياء الدراما اليونانية الكلاسيكية، وجزء من إحياء أوسع لصفات عصر النهضة القديمة.

اعتبر أعضاء كاميراتا أنّ أجزاء «الجوقة» في الدراما اليونانية كانت تُغنّى في الأصل، وربما النص كاملًا لجميع الأدوار؛ وهكذا استُخدمت الأوبرا كوسيلةٍ «لإحياء» ذلك.

كُتب نص الأوبرا (الليبريتو) من قِبل (أوتافيو رينوتشيني) ، الذي كتب بعضاً من إنتيرميديو ميديشي عام 1587، والتي شارك فيها بيري أيضاً؛ ويبدو أنّ رينوتشيني أعاد تدوير بعض أجزاء هذا العمل.

وقد كانت دافني محاولة لإحياء المسرح الاغريقي الكلاسيكي، والتي كانت بدورها جزءاً من السمات المميّزة لعصر النهضة.

لللأسف دافني فُقِدَتْ أجزاؤها وضاعت. ولكن في العام 1600 ظهرت يوريديتشي عمل آخر لبيري، التي ولحسن الحظ تُعتبر الأوبرا الأولى والتي لا تزال محفوظة حتى اليوم الحاضر.

ما لبثت الأوبرا بعدها إلا أن انتشرت من فلورنسا، البندقية وروما… من إيطاليا إلى بقية أرجاء أوروبا: (شوتز) في ألمانيا، (لولي) في فرنسا، و(برسل) في إنجلترا، كلّ هؤلاء ساعدوا في إنشاء تواريخهم الوطنية. على أية حال، وفي القرن الثامن عشر، استمرّت سيطرة الأوبرا الإيطالية على معظم أرجاء أوروبا، ما عدا فرنسا، مما ساعد على جذب مؤلّفين أجانب مثل (هاندل) . في ذلك الوقت، كانت أوبرا

(سيريا) أو الأوبرا الجدّية أو الدرامية، أكثر أنواع الأوبرا الإيطالية رفعةً في المستوى، حتى جاء (غلك) الذي عاكس اصطناعية الأخيرة بمسرحياته الأوبرالية المعدّلة. وفي أواخر القرن الثامن عشر، كان موتسارت من أكثر الشخصيات تأثيراً على الأوبرا آنذاك

ابتدأ موتسارت بأوبرا سيريا، ولكنه اشتهر بمسرحياته الأوبرالية الكوميدية الإيطالية، خصوصاً (لي نوتزي دي فيغارو أو زواج فيغارو،) (دون جوفاني أو السيد جوفاني) ، و(كوزي فان توتي. أوبرا داي زوبرفلوت أو المزمار السحري) تعدّ من أشهر أعمال موتسارت وتعدّ أيضاً من العلامات الواضحة للتاريخ الألماني في الموسيقى.

شهد الثلث الأول من القرن التاسع عشر ذروة أسلوب (بل كانتو) ، مع ملحّنين أمثال،( جواكينو روسيني، غايتانو دونيزيتي، بيليني،) كل هؤلاء ألّفوا أعمالاً، لا تزال ذائعة الصيت والأداء حتى اللحظة.

تُعتبر أواسط القرن التاسع عشر إلى أواخره العصر الذهبي للأوبرا، حيث كان (فاغنر في ألمانيا وفيردي في إيطاليا) ،و استمرّ هذا العصر الذهبي خلال حقبة ( الفيريسمو في إيطاليا مروراً بالأوبرا الفرنسية وعبوراً إلى بوتشيني وريتشارد شتراوس)في مطلع القرن العشرين. في ذلك الوقت، ولدت طرق أوبرالية جديدة في أواسط وشرق أوروبا.

في البلاطات وقصور النبلاء في القرن الخامس عشر والسادس عشر ظهرت عروض تتميز بالثياب الفاخرة وعجائب الديكور الذي لا يتعلّق بالرسم وحسب بل بالنحت والهندسة، وكذلك بفواصل موسيقية بين الفصول، ذات مضمون أسطوري أو رمزي، وقد ساهم أعظم فنّاني العصر كـ “رافائيل” و«برامانته» و«اريوسته» بتنفيذ الديكورات ؛التي ترتكز على مؤثّرات تحصل بواسطة المنظور ومزيج بين الرسم والهندسة، كما كانت ألوان الأزياء تُختار بعناية (على الأغلب فاتحة)، كما كانت هناك تعاليم للحركة على المنصة (عدم المشي إلا عند الضرورة القصوى) وتعاليم النطق واللفظ وكذلك دراسة الإضاءة المناسبة للمنظور المرسوم واستخدام المرايا، كما واستخدمت أوركسترا موسيقية ودرست

علاقات دخولها مع الكلام أثناء العرض المسرحي.

لقد كانت الأوبرا تصوّر الواقع الطبيعي للأحداث بأسلوبٍ تصويري دقيق ومثير، ومزوّدة بمجموعات إنشادٍ كورالي بسيط ، وبفواصل من موسيقى الآلات المناسبة لكلّ شخصيةٍ درامية والمصاحبة للأصوات البشرية في اتحاد نغمي وفقاً لطبقاتها الصوتية، وحوّل فيه الحوار إلى غناء بجانب أجزاء الكورال والأدوار المنفردة، ويعدّ «كافالييري» أول من نقل الموسيقى إلى خشبة المسرح، وأول من حوّل المسرحية إلى ألحان ، وكان راقصاً وعازفاً للأرغن وأستاذ غناء، وهو ممهّد الطريق الحقيقي إلى الكتابة الأوبرالية بلا منازع،. غير أنه لم يلبث أن تجرّد من العناصر المسرحية من ملابس وتمثيل ومناظر وخشبة مسرح ليؤدّى وحده بالكنيسة تلاوةً وإنشاداً وإلقاءً وغناءً منفرداً، في حين تطوّرت الأوبرا، فاتسم إخراجها بالفخامة والثراء، وأقيمت دور للأوبرا، واشترك المهندسون في إخراج المسرحية الأوبرالية لإظهار الفخامة المفرطة وفق أسلوب الباروك، وكان المهندسون يحقّقون معجزاتٍ مسرحية ، كتصوير الزلازل والعواصف الرعدية، وتحويل خشبة المسرح إلى بحرٍ، تظهر فيه جنيات الماء وحورياته، ثم تختفي في غمضة عينٍ، كما أدخل الباليه كفنّ الرقص بين فصول الأوبرا في بعض الأحيان،

وتعتبر تياترو( دي سان كارلو) أقدم دار للأوبرا النشطة في أوروبا، والتي بناها الملك تشارلز بوربون ، والتي ترتبط بالمسرح الأحمر والذهاب إلى القصر الملكي.

أما في منطقة الشرق الأوسط فقدبنيت دار الأوبرا بأمرٍ من الخديوي إسماعيل، للاحتفال بافتتاح قناة السويس، وقام المعماريان «بيترو أفوسكاني» (من ليفورنو) و«روتسيي» بتصميم مبنى الأوبرا، وسُمي بدار الخديوي للأوبرا .لكن في صباح التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1971 استيقظت مصر على خبر حريق دار الأوبرا المصرية، أحد أهم الآثار الثقافية بمصر، التي غنّى على مسرحها كبار المطربين المصريين والعرب والأجانب، وأبكى المصريين على صرحٍ تاريخى لا يعوّض، تمّت إبادته ومحوه بفعل فاعل،.

يقول الدكتور جابر البلتاجى، نائب مدير دار الأوبرا المصرية الأسبق: إنّ حريق الأوبرا تمّ بفعل فاعل، لأنه قبل الجريمة بشهرين كان هناك تجديد بالفعل لشبكة الكهرباء بالمبنى، والشبكة كانت جديدة، خصوصاً أنّ البعض أبلغ عن سرقة بعض محتويات دار الأوبرا ، مثل النجفة الكبيرة التى لا يمكن أن تخرج دون فكّها إلى أجزاء، وبعض الأثاث.

لكن الأهم من ذلك هو اختفاء « برتاتورة» أوبرا عايدة الأصلية، وهى عبارة عن مجلدٍ ضخم يضمّ التفريغ الإخراجى الكامل لتفاصيل العمل الفنى، التى كتبها مؤلفها الإيطالى العالمى (فيردى) بخط يده، كما سرقت ملابس لا تقدّر بثمن، كان يرتديها الفنانون العالميون أثناء العروض على مسرح الأوبرا.

ويفجّر الدكتور جابر مفاجأة، وهى أنّ الصحف الإيطالية ذكرت عام 1976- أىّ بعد الحريق بخمس سنوات، أنّ أحد كبار قيادات الأوبرا يعرض هذه البرتاتورة للبيع فى إيطاليا،

كُردياً: مغنّية الأوبرا berfîn şakar ، وهي نجمة من أبناء كُردستان ،وكانت ذائعة الصيت في مختلف أنحاء أوروبا، والفنانان الكُرديان( şvan pirîver. و. mîm Ararat) أطلقوا حملةً لضمّ تقليد غناء الروايات إلى قائمة التراث العالمي التي تعدّها اليونسكو .

وكانت هذه الروايات بمثابة الأوبرا الكُردية التي كانت تُرْوى من قبل الراوي المغني, وكان يطلق عليه (deng bêj )،وكانت تؤدّى بطريقةٍ مشوّقة، يشعر المرء وكأنه يشاهد فيلماً بدأ للتو. وكان بوسعه تخيّل المشاهد وكأنها تقع أمام عينيه، الجبال والأنهار والطيور في السماء والرعي و الغزوات

وذكرت (شاكار) أنّ غناء الروايات واحدة من أقدم الثقافات في ( Mîzobotamya) . وبدون غناء الروايات لم تكن الثقافة الكُردية لتستمرّ حتى الآن، ولقد أطلقت النجمة الكُردية حملة توقيعات كتكملة لمشروعها في ضمّ التراث الكُردي لليونيسكو ، ولا يزال في جعبتها الكثير.

وقالت “أريد التعاون مع المؤسسات الموسيقية والثقافية ليتسنّى لنا تحقيق هذا.”

نشأ(şvan pîrîver) ، الذي يعدّ أشهر فنان كُردي في العالم الآن، في قريةٍ بمحافظة سانليورفا في جنوب شرق تركيا أواخر الخمسينات والستينات من القرن العشرين، وكانت اللغة الكُردية هي اللغة الرسمية في منزله

كان أبوه عازفاً على الآلات الوترية ومغنيا للروايات، لذا كان الغناء والقصص جزءاً من حياته.

وقال بيرفير وهو يشرح كيف كانت جلسات الغناء تستمرّ . (تحاول أن تبكي لكن لا يخرج منك سوى الغناء.”)

شرح كيف يمثّل هذا الفن الذي تعود جذوره لعصور ما قبل الإسلام الانتقالية الشفهية القوية في الثقافة الكُردية. وفسّر أيضاً كيف كانت شكلاً من أشكال البكاء.

بالنسبةل( Ararat ) ، الذي أمضى سنوات حياته الأولى في مدينةٍ بإقليم ماردين في جنوب شرق تركيا، وبات اليوم مغنياً مشهوراً،

إنّ غناء الروايات هو “واحد من أهم العوامل الراسخة في الذاكرة الكُردية، بل ربما كانت أهمها جميعاً.”

وكتب آرارات في رسالةٍ عبر البريد الإلكتروني “غناء الروايات أشبه بذاكرةٍ عملاقة. على سبيل المثال، سمعت عن (مم و زين) ،وهو عمل مشهور للشاعر أحمدي خاني، لأول مرةٍ من خلال أغاني الروايات. كما أنّ القصة الخاصة بالشيخ سعيد فسمعتها لأول مرة من مغني الروايات.”

وتوصف (مم و زين) دوماً بأنها قصة( روميو وجوليت) للثقافة الكُردية، وكتبها أحمدي خاني في القرن السابع عشر.

وقال موضحاً: “في الواقع غناء الروايات جزء من ثراء الثقافة الكُردية التي نحتاج لإبرازها والحفاظ عليها وتحويلها من الفردية في الغناء الروائي إلى فريقٍ من الاوبراليين، تقدّم على أرقى دور للأوبرا.

وفي ظلّ الظروف الحالية، حيث تلوح بداية عودة الأرض لأصحابها الكُرد في كلٍٍّ من كُردستان سورياو كُردستان العراق ، فإنّ الفرصة مؤاتية لأن تتبنّى الحكومة والأنظمة والفعاليات الثقاقية والجمعيات الكُردية والمجلس الوطني الكُردي هذه المبادرة لتطوّر أغاني الروايات إلى اوبرا خاصة بكُردستان، وتقدّم في أرقى دور الأوبرا لتكون أهم رسالةٍ على الإطلاق؛ تعرض على خشباتها كرواية (مم و زين)، فهي قصة جديرة بأن تُعرض في أرقى دور الأوبرا في العالم، فيكون دوي وقعها على ثقافات الشعوب الذوّاقة للأوبرا في العالم الغربي الذي يحبّ الاوبرا بجنونٍ فلا يكاد يُعلن عنوانٌ لاوبرا ستعرض في قاعةٍ ما حتى تنفذ تذاكرها من الأسواق ويكون دوي وقعها كبيراًً ومؤثّراً جداً.

 

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “299”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى