صراع المحاور السياسية الدولية في سوريا وانعكاساتها على القضية الكردية

 

محمد ليلي

من خلال إلقاء الضوء على صراعات الدول العظمى ومحاورها السياسية في المنطقة وفي سورية خصوصاً, يمكننا استنباط المؤشرات والدلائل التي من خلالها نستطيع أن نضع تصوراً منطقياً لكيفية شكل وطبيعة الدولة السورية المستقبلية وبالتالي التحرك على بينة للتعامل مع الواقع الجديد في سوريا المستقبل من قبل حركتنا السياسية الكُردية في سوريا, فبعد إنطلاقة الثورة السورية السلمية عام 2011م, التي حولها النظام شيئاً فشيئاً إلى ثورة مسلحة بحجة محاربة الإرهاب بعد مرور ستة أشهر على سلميتها وفتح الباب على مصراعيه أمام تدخل الدول الداعمة والحليفة له، وتسليم زمام أمور البلاد لتدخلاتها من أجل حمايته, وكذلك وفيما بعد فعلت المعارضة ذات الشيء حيث سلمت زمام أمورها لدول خارجية داعمة لها ومنحت نوعاً من الشرعية لتدخلات تلك الدول بالشأن السوري, وبعد مضي أكثر من تسعة أعوام على انطلاقة الثورة والنتائج الكارثية التي خلفتها على الشعب السوري من قتل وتدمير ونزوح وتهجير إلخ…, تلوح في الأفق بوادر نوايا دولية لوضع حلٍ لهذه الأزمة من خلال التوجه مجدداً نحو بوابة جنيف من أجل التوصل إلى تسوية سياسية وتطبيق قرارات مجلس الأمن لا سيما القرار /2254/. فبعد أن تمكنت أمريكا من تهيئة الأرضية المناسبة لوضع الخريطة السياسية الداخلية الجديدة لسوريا المستقبل وفق رؤيتها، والتي عملت على تهيئة الأرضية المناسبة لها من خلال التحكم بحركة وتوجهات المحاور السياسية المختلفة المتصارعة على الأرض السورية بعد أن فتحت لها المجال للتدخل العسكري في سوريا, فمن جهة فتحت أمريكا ومحورها المجال واسعاً أمام المحور الروسي – النظام السوري والإيراني لاستخدام الإرهابيين وجلبهم من أصقاع الأرض وإدخالهم إلى سوريا وتقديم الدعم لهم بهدف تغيير موضوع الثورة السلمية وخلط الأوراق ومنح المبررات للتدخل العسكري الإيراني والروسي للوصول إلى إنهاء ثورة الشعب بدعوى إنقاذ سوريا من الإرهابيين, و غضت أمريكا النظر عن دخول الإرهابيين إلى سوريا عبر مختلف الدول المحاددة لها، لأسباب عدة ومنها ما تطلبته الاستراتيجية الأمريكية في إدارة الأزمة السورية للوصول إلى أهدافها.
ستعمل أمريكا لوضع الحل السياسي عن طريق الأمم المتحدة, وبعد أن تمكنت أمريكا وبدعم من محورها السياسي من الاستحواذ على معظم مفاتيح الحل السوري بفضل تكتيكاتها الاستراتيجية في إدارة هذه الأزمة، فهي من ستفرض رؤيتها للحل السوري، وهي من ستضع الخطوط العريضة للخارطة السياسية الداخلية لسورية المستقبل ولدول أخرى مثل : لبنان – العراق –إيران.. فقد تمكنت أمريكا إلى حدٍ كبير من تفكيك المحور الروسي، وبالتالي إضعاف الروس، فبعد أن تجاوز المحور الروسي في المنطقة – النظام الإيراني والسوري – الخطوط الحمراء في مواجهة المصالح والاستراتيجيات الأمريكية في المنطقة من خلال استخدامهما الإرهاب المنظم، كما فعلوا في العراق أثناء الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003م، مما اضطرت أمريكا فيما بعد على سحب معظم قواتها العسكرية من العراق في عهد الرئيس أوباما عام 2011م بطريقة شبه مهزومة، بسبب الممانعة التي تم التخطيط لها من قبل المحور الروسي من خلال توظيف سلاح الإرهاب المنظم الذي عمل النظامان الإيراني والسوري على تنفيذه على أرض الواقع، من خلال تشكيل مجموعات وتنظيمات إرهابية من البعثيين العراقيين القدامى وغيرهم من جنسيات مختلفة، كالأفغان وغيرهم من أصحاب الفكر الراديكالي المتشدد، الذين تم تهيأتهم ودعمهم لوجستياً واقتصادياً لاستخدامهم لهكذا غرض، و لضرب القوات الأمريكية وحلفائها في العراق، بهدف إفشال المشروع الأمريكي في العراق وفي المنطقة، حيث كان العراق يشهد في تلك الفترة وبشكل شبه يومي الكثير من العمليات والتفجيرات الإرهابية. ولهذا فقد استفادت أمريكا من تجربتها القاسية في العراق، فأرادت أن تضع حداً لهذا التجاوز الخطير للخطوط الحمراء من قبل المحور الروسي، فعملت على تفكيك هذا المحور، واستطاعت أن تقنع حلفائها الأوروبيين بخطورة ما تقوم به هذه الأنظمة الراعية والمصنعة للإرهاب المنظم – النظام الإيراني والسوري المدعومين من قبل الروس، لا سيما أن الإرهاب المنظم لهذه الأنظمة وصل إلى أنحاء عديدة من الدول الأوروبية على شكل رسائل سياسية، والآن بدأت نتائج تلك الجهود والاستراتيجية الأمريكية، ونرى كيف أن روسيا تتخلى تدريجياً عن النظامين الإيراني والسوري، مكتفية ببعض المكاسب الاستراتيجية في سوريا، كتموضعها في الساحل السوري.. تلك المكاسب التي مُنحت لها من خلال توافقاتها المحدودة مع الأمريكيين، مما يعني بأنه ليس هناك توافق روسي أمريكي كامل على كل النقاط حول الشأن السوري، بل على العكس فهناك رضوخ للمحور الروسي أمام المحور الأمريكي في هذه المنطقة، وفيما يبدو أن الروس اتبعوا استراتيجية الاعتماد على عامل الزمن فقرروا تجميد ممانعتهم للمشاريع الأمريكية في المنطقة في الوقت الراهن مراعين بذلك واقع الحال وفارق توازن القوى بينهما, وذلك من خلال اتباع استراتيجية جديدة وهي التركيز أولاً على وضعها الداخلي وتقوية اقتصادها وثانياً مراجعة شاملة لطبيعة علاقتها السابقة مع دول محورها والعمل على تهيئة الأرضية للتأسيس لعلاقات أفضل مع شعوب هذه الدول ومع أنظمتها السياسية الجديدة القادمة لا سيما في سوريا وستستفيد في ذلك من منصة موسكو سياسياً ومن الثقافة الشيوعية الروسية التي عمل الاتحاد السوفيتي على نشرها سابقاً بين فئات واسعة من شعوب المنطقة ومن بينهم الشعب السوري اجتماعياً، بهدف استمالة هذه البلدان إلى جانبها وإعادة السيطرة عليها مجدداً لتقوية سيطرة نفوذها في العالم لكي لا تترك الساحة فارغة أمام السيطرة الأمريكية الكاملة بأقصر زمن ممكن.
وبهذه القراءة البسيطة لصراعات المشاريع والإستراتيجيات الدولية و الإقليمية من أجل النفوذ والمصالح المتضاربة، تتوضح أمامنا الرؤية أكثر ويفترض بأن لا تغيب مثل هذه التفاصيل عن أذهاننا، لكي نعرف كيف نسابق الزمن في ظل سوريا الجديدة، للتعريف بقضيتنا الكردية في سوريا بين جماهير الشعب السوري لكسبها، قبل أن تتغير موازين القوى مجدداً بين المحورين الروسي والأمريكي ويتم استغلال القضية الكردية في صراعاتهما ويدفع شعبنا وقضيتنا ثمن تلك الصراعات.

مقال منشور في جريدة يكيتي- العددد 276

تمت قراءتها 159 مرة

قد يعجبك ايضا